الأحد، 26 يونيو، 2011

الشرق الاوسط قبل وبعد الحرب العالمية الاولى

الفصل السادس

والشرق الاوسط هنا هو البلاد الممتدة من شمال افريقيا الى شبه الجزيرة العربية الى بلاد ما بين النهرين الى بلاد الاناضول والشام والمشرق العربي شرقي البحر الابيض المتوسط امتدادا الى بلاد كنعان فلسطين والاردن.
أسسس العثمانيون أقوى دولة اسلامية في العصر الحديث، استطاعت دحر الصليبيين، والسيطرة على بلاد كنعان وشبه الجزيرة العربية وشمالي افريقيا. واستولوا على بلاد اوروبا الوسطى امتدادا الى البلقان، كما اجتاحت جيوش الدولة العلية جنوب ايطاليا واخذوا قبرص وحاصروا فيينا عاصمة النمسا. وسيطرت اساطيلها على طرق التجارة البحرية في البحر الاسود والبحر الابيض والبحر الاحمر امتدادا الى الخليج العربي الفارسي وبحر الهند.
الا ان ضعف الدولة العثمانية في أواخر عهدها جعل الدول الأوروبية تتآمر لاستباحتها امنيا وسياسيا، فأثاروا ضدها الحركات السياسية والدينية والعرقية اضافة الى التمردات الداخلية التي أسعرتها ضد الدولة العثمانية، التي وصل ضعفها الى أوجّه حين أعلن محمد علي باشا والي مصر انفصال مصر واستقلالها عن الدولة العلية. ثم جاءت الحركة الوهابية في شبه الجزيرة العربية لتكرّس انفصالا دينيا وتلغي خلافة السلاطين العثمانيين.
أمّا في الداخل فقد برزت جمعية تركيا الفتاة، التي استطاعت أن تضع لها قدمًا في الجيش العثماني، وكان لها جناح عسكري عرف بتنظيم الاتحاد العثماني  وجناح مدني هو الانتظام والترقي. عرفت هذه الجمعية فيما بعد باسم "الاتحاد والترقي"، وتمتعت بنفوذ قوي حيث انضم إليها الكثير من ضباط الجيش المسيطر على الآستانة، وكذلك الفرق الباقية في أوروبا. فرض الإتحاديون على السلطان إعلان دستور جديد للبلاد وسيطروا على معظم مقاعد المجالس النيابية، وعندما وجدوا أن السلطان سيكون عائقًا في تحقيق أهدافهم، عزلوه.
في ذلك الوقت سيطرت الإمبراطورية النمساوية المجرية على البوسنة والهرسك، ثم هاجمت إيطاليا ليبيا، آخر الممتلكات العثمانية الفعلية في شمال أفريقيا. ثم جاءت حرب البلقان الأولى ففقدت فيها الدولة العثمانية ما تبقى لها من ممتلكات في البلقان عدا تراقيا الشرقية ومدينة أدرنة.
في تلك الفترة ظهرت النزعة التركية الطورانية بقوة وعنف، وسعى حزب الاتحاد والترقي إلى تتريك الشعوب غير التركية تحت ظل الدولة العثمانية، مثل العرب والشركس والأكراد والأرمن. وفي سنة 1913م عقد الوطنيون العرب مؤتمرًا في باريس، واتخذوا مقررات أكدوا فيها على رغبة العرب في الاحتفاظ بوحدة الدولة العثمانية بشرط أن تعترف الحكومة بحقوقهم، كون العرب أكبر الشركاء في الدولة.
عندما قرر محمد علي أن يجتاح بلاد الشام بالقوة عام 1831، وجّه جيشه إلى فلسطين وأخضعها، ثم زحف على مدن الساحل اللبناني وفتحها الواحدة تلو الأخرى، وسرعان ما لحقت بها سوريا الوسطى والشمالية، وامتد زحف الجيش المصري إلى الأناضول،  فسارعت روسيا لنجدة الآستانة والدفاع عنها، وخشيت بريطانيا وفرنسا من امتداد النفوذ الروسي وتوسطت للصلح مع محمد علي، حيث أقر له السلطان بولاية مصر وجزيرة كريت وفلسطين ولبنان وأضنة. وفي غضون ذلك توسّع النفوذ الروسي في الدولة خصوصًا بعد أن أبرم السلطان معاهدة مع روسيا تعهدت فيها الأخيرة بالدفاع عن الدولة العثمانية لو هاجمها المصريون أو غيرهم.
اجتمعت كل من بريطانيا وروسيا وبروسيا والنمسا وعقدوا اتفاقية صدّق عليها العثمانيون، تنص على بقاء ولاية مصر وراثية في عائلة محمد علي، وولاية عكا مدى حياته، فرفض محمد علي ذلك وطرد المندوبين الأوروبيين والمندوب العثماني من مصر، وبناءً على ذلك هاجمت البوارج الحربية البريطانية والنمساوية والعثمانية مدن الساحل الشامي واستطاعت أن تحرز انتصارًا كبيرًا على الجيوش المصرية التي كانت تحت قيادة إبراهيم باشا، وأجبرته على العودة إلى مصر والانكماش فيها، وبذلك عادت الشام إلى ربوع الدولة العثمانية، وأصبحت سيادة الدولة على مصر سيادةً اسميّة.
توصلت الدول الأوروبية الكبرى، بعد انتهاء الأزمة العثمانية - المصرية، إلى عقد اتفاقية جماعية مع الدولة العثمانية، أُطلق عليها تسمية "معاهدة المضائق" أو "اتفاقية لندن الخاصة بالمضائق"، وقد أرست هذه الاتفاقية نظامًا للمضائق العثمانية ظل مطبقًا بدون إدخال تعديلات جوهرية عليه حتى قيام الحرب العالمية الأولى.
في أواخر عهد السلطان عبد المجيد الأول، نشبت عام 1860 فتنة طائفية كبرى في الشام، وتحديدًا في دمشق وسهل البقاع وجبل لبنان بين المسلمين والمسيحيين عمومًا، والدروز والموارنة خصوصًا، فوقعت مذابح مؤلمة، وكان ممثلي بريطانيا وفرنسا يشجعون الفريقين على الانتقام ويساعدونهم على الثأر، فخشي السلطان أن تؤدي هذه الفتنة إلى تدخل الدول الأجنبية العسكري، فأمر بإخمادها حالاً. وكانت الدول الأوروبية قد ضغطت على السلطان وحملته على القبول بتشكيل لجنة دولية يوكل إليها أمر إعادة الهدوء إلى جبل لبنان ودمشق، وتصفية ذيول الفتنة.
قدّمت الدول الأوروبية الكبرى لائحة للدولة العثمانية تقضي بتحسين الأحوال المعيشية لرعاياها المسيحيين، وفرضوا مراقبة اوروبية لتنفيذ إجراءات التحسين. فرفضت الدولة اللائحة؛ لأن هذا يعتبر تدخلاً صريحًا في شؤونها. استغلت روسيا هذا الرفض واعتبرته سببًا كافيًا للحرب، وفي هذه المرة أطلقت أوروبا العنان لروسيا لتتصرف كيفما تشاء مع العثمانيين، فاحتلت الأفلاق والبغدان وبلغاريا ووصلت أدرنة وأصبحت على بعد 50 كيلومترًا فقط من الآستانة، كذلك دخلت جيوشها الأناضول، وعادت الصرب والجبل الأسود لتعلن الحرب على الدولة العثمانية، فاضطرت الأخيرة إلى طلب الصلح، وأبرمت معاهدة سان ستيفانو مع روسيا عام 1877، التي اعترفت فيها باستقلال الصرب والجبل الأسود والأفلاق والبغدان وبلغاريا، ثمّ تمّ تعديل هذه المعاهدة في مؤتمر عُقد في برلين تمّ بموجبه سلخ المزيد من الأراضي عن الدولة العثمانية.
في تلك الفترة برز حدثان كبيران ألقيا بتقلهما على الدولة العلية بشكل خاص والمنطقة بأسرها عموما، هما الأزمة الأرمنية وقيام الحركة الصهيونية.
فقد عملت البعثات التبشيرية الأوروبية والأمريكية على إذكاء الشعور القومي الأرمني، وفي الوقت نفسه اعتقدت الدوائر الحاكمة في الآستانة أن بعض الأرمن يعملون كعملاء لروسيا وبريطانيا، وساورها الشكوك حول ولائهم، ومن ثم نظرت إليهم على أنهم خطر يهدد كيان الدولة ومستقبلها وأمنها. ولم تلبث أن عمّت الاضطرابات أنحاء أرمينيا، وأخذ الثوّار يهاجمون الموظفين الحكوميين العثمانيين، وقاموا ببضعة مجازر في بعض القرى الإسلامية الكردية، فقام العثمانيون بالرد على ثورة الأرمن بأن أرسلوا جيشًا مؤلفًا بمعظمه من الأكراد إلى مناطق الثورة حيث دمّروا العديد من القرى الأرمنية وقتلوا كثيرًا من الثوّار ومن ساندهم، فيما أصبح يُعرف باسم "المجازر الحميدية".
أما الحركة الصهيونية، فنشأت بقيادة ثيودور هرتزل عام 1897، ودعت إلى إنشاء وطن قومي ليهود العالم في فلسطين الخاضعة للدولة العثمانية وتشجيع اليهود على الهجرة إليها، فأصدر السلطان عبد الحميد فرمانًا يمنع هجرة اليهود إلى الأراضي المقدسة، لكنه اضطر في نهاية المطاف إلى التهاون معها تحت ضغط الدول الأوروبية، وخاصةً بريطانيا.

الحرب العالمية الاولى

أسست ألمانيا مكتب استخبارات الشرق الذي تولى متابعة أخبار مناطق بلاد فارس وأفغانستان، وبتحالفها مع قوات المحور سعت الامبراطورية العثمانية إلى فرض سيطرتها على مناطق بلاد فارس وطاجكستان وصولاً إلى القارة الهندية.
في 13 نوفمبر 1918 أدى احتلال اسطنبول إلى إشعال حرب تحرير تركيا بقيادة مصطفى كمال أتاتورك، وفي 1923 م تمت معاهدة لوزان التي قضت باستقلال تركيا وتوزيع إرث الامبراطورية العثمانية الذي كانت قد تم الاتفاق عليه سرياً منذ عام 1915 عبر اتفاقية سايكس بيكو والتي أفضت إلى حقبة الاستعمار الأوروبي الحديث في الشرق الأوسط.
انطلقت شرارة الحرب الأولى في 28 يونيو عام 1914م عندما اغتال أحد القوميين الصرب، الأرشيدوق فرانز فرديناند وليّ عهد النمساو المجر في مدينة سراييڤو في البوسنة الخاضعة للنمسا. فاعتبرت الإمبراطورية النمساوية المجرية صربيا مسؤولة عن هذا الاغتيال، فتدخلت روسيا لدعمها مدعومة من فرنسا وتحركت ألمانيا ضدهما، وما لبثت أن دخلت بريطانيا الحرب بعد ذلك بفترة قليلة، ومن ثم تشكلت الأحلاف، فدخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب معسكر دول المحور، أي ألمانيا والنمسا وبلغاريا. وفي 10 أغسطس سنة 1914م، دخلت الدولة العثمانية الحرب بشكل فعليّ، بعد أن سمحت لبارجتين ألمانيتين كانتا تطوفان البحر المتوسط، بعبور مضيق الدردنيل نحو البحر الأسود هربًا من مطاردة السفن البريطانية. وأعلن الصدر الأعظم إلغاء الامتيارات الأجنبية، ملبيًا بذلك إحدى المطالب الرئيسية للقوميين الأتراك، ثم أمر بإغلاق المضائق بوجه الملاحة التجارية، كما ألغى مكاتب البريد الأجنبية وجميع السلطات القضائية غير العثمانية. بعثت الانتصارات الألمانية الخاطفة على الجبهة الروسية الأمل في نفوس الإتحاديين، وأملوا استعادة الأراضي العثمانية المفقودة.
بيد ان روسيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا. وخاضت الجيوش العثمانية الحرب على جبهات متعددة ومُنيت بهزائم فادحة ، فنزل البريطانيون في الفاو على الخليج العربي واستولوا على العراق، كما حققوا انتصارات في اليمن وشمالي افريقيا وبددوا الاسطول العثماني في البحر الاحمر. وقام أسطول الحلفاء بمهاجمة مضيق الدردنيل في خطوة للاستيلاء على الآستانة وإخراج الدولة العثمانية من الحرب، وإمداد الجبهة الروسية،  لكن هذا الأسطول الضخم عجز عن اجتياز المضيق وهزم العثمانيون طاقمه هزيمة كبيرة في معركة بريّة، كانت النجاح الوحيد لهم في مقابل سلسلة من الاخفاقات، وبرز في هذه المعركة القائد مصطفى كمال.
بعد فشل الحملة العثمانية على مصر، جرت اتصالات سريّة بين البريطانيين في مصر والشريف حسين بن علي والي الحجاز، وبعض الزعماء العرب، وتمّ الاتفاق على أن يثور العرب على الأتراك وينضموا إلى الحلفاء مقابل وعد من هؤلاء بمنح العرب الاستقلال وإعادة الخلافة إليهم. وتنفيذًا لهذا الاتفاق أعلن الشريف حسين في يونيو سنة 1916م الثورة العربية على الأتراك، فأخرجهم من الحجاز وأرسل قوّاته شمالاً بقيادة ولديه فيصل وعبد الله لتشارك القوات البريطانية في السيطرة على بلاد الشام.
وفي غضون ذلك سُحقت المقاومة البلغارية في البلقان، مما أرغم حكومة صوفيا على طلب الهدنة، فأدرك الباب العالي خطورة الموقف، لأن الحرب أضحت قريبة من الأراضي التركية، ويمكن للعدو أن يتغلغل بحريّة في تراقيا الشرقية ويزحف حتى أبواب الآستانة، فأبرم العثمانيون معاهدة "مودروس" مع الحلفاء، خرجوا بموجبها من الحرب.
وبعد مرور شهر على توقيع هدنة مودروس، دخلت البحرية البريطانية والفرنسية والإيطالية ثم الأمريكية إلى القرن الذهبي، وأنزلت قواتها في الآستانة التي حوّلتها إلى قاعدة لنشاط الحلفاء في المنطقة كلها.
سيطر الحلفاء على موانئ البحر الأسود كلها، واقتسموا الأراضي التركية، فاحتل الفرنسيون مرسين وأضنة، والإيطاليون أنطاكية وكوشا داسي وقونية، واحتل اليونانيون القسم الغربي من الأناضول، بالإضافة إلى تراقيا.
رفض الأتراك الخضوع للاحتلال والقبول بمشاريعه، فقامت ثورة وطنية في جميع أنحاء البلاد وتمكّن مصطفى كمال بعد جهود مضنية واصطدامات شديدة مع اليونانيين، من الانتصارواستعادة كامل الأراضي التي احتلوها، وفرض على الحلفاء توقيع هدنة جديدة اعترفت فيها اليونان بانتصارات تركيا، فأضحى مصطفى كمال بطلاً قوميًا، وبرز في الواجهة السياسية وتنازل السلطان عن العرش واعتزل الحياة السياسية.
بعد أن أصبح مصطفى كمال سيد الموقف، وقّع معاهدة لوزان مع الحلفاء عام 1923 التي تنازل بمقتضاها عن باقي الأراضي العثمانية غير التركية، وجرّد السلطان من السلطة الزمنية ثم ألغى الخلافة سنة 1924 وطرد عبد المجيد من البلاد، وبهذا سقطت الدولة العثمانية فعليًا بعد أن استمرت لما يقرب من 600 سنة. وانهارت معها الخلافة الإسلامية بعد أن استمرت ما يزيد عن ألف سنة.
كما أن هذه المعاهدة قادت الى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي حلّت محل الدولة العثمانية، وأدّت الى تسوية التراس الشرقي وهو الجزء الاوروبي من تركيا، وحدّدت حدد عدة بلدان منها اليونان وتركيا وبلغاريا والمشرق العربي. وأعيد ترسيم الحدود مع سوريا فضمّت تركيا أقاليم سوريا الشمالية وفيها مرسين وطرسوس(طرطوس) وكيليكية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.
شهدت المنطقة خمس حملات شنتها قوات الحلفاء على أراضي الامبراطورية العثمانية خلال الحرب العالمية الثانية هي حملة سيناء وفلسطين وحملة بلاد الرافدين وحملة القوقاز وحملة بلاد فارس وحملة جاليبولي، كما شهدت حملات وعمليات عسكرية ثانوية في عدن والأجزاء الجنوبية من الأراضي العربية.
التف العرب حول الشريف الحسين بن علي شريف مكة الذي تراوده آمال في إنشاء دولة عربية كبرى. ودخلت بريطانية في مفاوضات سرية معه أوضح فيها الشريف ما يشترطه العرب لدخول الحرب إلى جانب بريطانيا وتتلخص في استقلال البلدان العربية القائمة على الساحل الشرقي لللبحر الأبيض المتوسط وإقامة دولة عربية كبرى تشمل مختلف أرجاء الوطن العربي باستثناء مصر والشمال الإفريقي وعلى الرغم من الاختلاف مع مكماهون حول حدود الدولة العربية الموعودة دخل العرب الحرب إلى جانب بريطانيا.
بدأت الثورة العربية الكبرى في 10 يونيو 1916 بإعلان الشريف حسين الجهاد المقدس والثورة على العثمانيين بمساعدة ضابط الاستخبارات البريطانية توماس إدوارد لورنس، واستطاع السيطرة على الحجاز بمساعدة الإنجليز ثم تقدم ابنه فيصل بن حسين نحو الشام ووصل بمساعدة الإنجليز إلى دمشق حيث خرج العثمانيون منها وأعلن فيها قيام الحكومة العربية الموالية لوالده الذي كان قد أعلن نفسه ملكا على العرب غير أن الحلفاء لم يعترفوا به إلا ملكا على الحجاز وشرق الأردن.
وعلى الرغم من تعهدات بريطانيا للعرب بقيام دولة عربية كبرى فقد أجرت هذه الدولة مفاوضات واتفاقيات سرية مع فرنسا وروسيا تناولت اقتسام الأملاك العثمانية بما فيها البلاد العربية ثم انفردت بريطانيا وفرنسا في اتفاقية سرية عرفت باتفاقية سايكس بيكو 1916 التي فضح أمرها بعد الثورة البلشفية في روسيا سنة 1917 وفي السنة نفسها غدرت بريطانيا بالعرب مرة أخرى واعدين زعماء الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين من خلال ما عرف بوعد بلفور الصادر في 2 نوفمبر 1917.
أسفرت الحرب العالمية الأولى عن سقوط الإمبراطورية العثمانية عام 1341هـ-1924م وعن خسائر مادية وبشرية جسيمة وعن تراجع الدور الرائد لأوروبا في توجيه سياسة العالم. أما أهم نتيجة لهذه الحرب فقد تمثلت في قيام سلام منقوص يحتوي على جميع العناصر التي من شأنها إشعال الحرب العالمية الثانية عام 1939.
كانت الولايات المتحدة الأمريكية المستفيدة الأولى على أساس أنها الدائنة الأولى لأوروبا قبل الحرب وخلالها. فقد جمعت الولايات المتحدة بعد الحرب نتيجة تسديد أوروبا لديونها 45% من احتياطي الذهب في العالم وأصبحت بذلك أول دائن في العالم.
في 28 يونيو 1919 وقع الألمان على معاهدة فرساي مع الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى بعد مفاوضات دامت ستة أشهر، وتم تعديل المعاهدة في 10 يناير 1920 لتتضمّن الاعتراف الألماني بمسؤولية الحرب  وتعويضها الأطراف المتضرّرة ماليًا.
وتمخّضت الاتفاقية عن تأسيس عصبة الأمم بدعم أميركي، التي يرجع الهدف إلى تأسيسها الحيلولة دون وقوع صراع مسلّح بين الدول كالذي حدث في الحرب العالمية الأولى ونزع الفتيل من الصراعات الدولية.
وافقت عصبة الامم على المطالب الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا وأقرت بشرعية انتدابها على دول المشرق.
بدأ التطبيق الفعلي لمضمون اتفاقية سايكس بيكو سنة 1918 والمعارك لم تنته بعد وذلك حين قسم الجنرال اللنبي قائد الجيوش الحليفة في الشرق المناطق العربية إلى ثلاث: واحدة بإدارة فرنسية (الساحل) وواحدة بإدارة عربية (الداخل) والأخيرة بإدارة بريطانية.
لكن التغطية الدولية لهذه الاتفاقية جاءت عبر مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919 فقد طرح المؤتمر مفهوما جديدا للاستعمار هو الانتداب الذي اقترحه الرئيس الأمريكي ويلسون ورئيس وزراء جنوب أفريقيا الجنرال سمطس وهو ينص على تولي دولة كبرى شئون الدولة التي لا عهد لها بالحكم والتي خضعت لفترة طويلة لإحدى الإمبراطوريات المتداعية كالدولة العثمانية فتساعدها الدولة المنتدبة حتى تصبح قادرة على إدارة شئونها بنفسها.
بيد ان المؤتمر السوري العام رفض اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور وأعلن قيام المملكة السورية ونصب الأمير فيصل ملكا عليها. فانعقد المجلس الأعلى للحلفاء في مدينة سان ريمو الإيطالية في أبريل 1920 وقرر ردا على المؤتمر السوري تطبيق اتفاقية سايكس بيكو التي تقضي بوضع سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي والعراق وفلسطين وشرق الأردن تحت الانتداب الإنجليزي وتعهد مؤتمر سان ريمو كذلك بالعمل على تطبيق وعد بلفور.
كما كانت بريطانيا مرتبطة مع الإمارات العربية الواقعة على سواحل الخليج العربي وعمان بمعاهدات حماية. كذلك فرضت بريطانيا حمايتها على مصر والسودان وسيطرت إيطاليا على ليبيا واحتلت فرنسا ما تبقى من المغربي العربي وكرست سيطرتها على كل من تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا والصومال.
كانت آثار الحرب الاولى أعمق على الدول التي كانت تحت الحكم العثماني، بعد أن تحقق ما كانت تصبو إليه الدول الأوروبية بتقسيم الغنيمة في تلك البلاد والسيطرة على مقدراتها وثرواتها وخيراتها وشعوبها وحكامها.
تم تقسيم المنطقة التي ظهر فيها اسم الهلال الخصيب، بموجب اتفاقية سايكس بيكو، فحصلت فرنسا على الجزء الأكبر من الجناح الغربي من الهلال (سوريا ولبنان) ومنطقة الموصل في العراق. أما بريطانيا فأمتدت مناطق سيطرتها من طرف بلاد الشام الجنوبي متوسعا بالإتجاه شرقا لتضم بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة الفرنسية في سوريا. كما تقرر أن تقع فلسطين تحت إدارة دولية يتم الاتفاق عليها بالتشاور بين بريطانيا وفرنسا وروسيا. على أن يكون لفرنسا حرية استخدام ميناء حيفا، ومنحت فرنسا لبريطانيا بالمقابل استخدام ميناء الاسكندرونة الذي كان سيقع في حوزتها.
وعقدت في 1923 معاهدة لوزان لتعديل الحدود التي أقرت في معاهدة سيفر. تم بموجبها التنازل عن الأقاليم السورية الشمالية لتركيا الأتاتوركية إضافة إلى بعض المناطق التي كانت قد أعطيت لليونان في المعاهدة السابقة.
قسمت هذه الاتفاقية وما تبعها سوريا الكبرى أو المشرق العربي إلى دول وكيانات سياسية كرست الحدود المرسومة بموجب هذه الاتفاقية والاتفاقيات الناجمة عنها وهي:
العراق، استقل عام 1932
منطقة الانتداب الفرنسي على سوريا:
سوريا، استقلت فعلياً عام 1946، لبنان، استقل ككيان مستقل عام 1943. أما الأقاليم السورية الشمالية فقد ضمت لتركيا
منطقة الانتداب البريطاني على فلسطين: الأردن، استقل ككيان مستقل عام 1946 (كانت منطقة حكم ذاتي منذ 1922) -  فلسطين، انتهى مفعول صك انتداب عصبة الأمم على فلسطين يوم 14 أيار 1948 وجلى البريطانيون عنها. لكن في اليوم التالي أعلن قيام إسرائيل فوق أجزاء كبيرة من حدود الانتداب البريطاني على فلسطين وبدأ الصراع العربي الإسرائيلي، حيث في 1949 (إثر حرب 1948 وبعد إلغاء الانتداب البريطاني) قسمت فلسطين إلى ثلاث وحدات سياسية: إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.
سامي الشرقاوي

السبت، 25 يونيو، 2011

الحروب الصليبية وما بعدها


الفصل الخامس

رأى بعض ملوك أوروبا والكنيسة الغربية أن بقاء مدينة القدس تحت السيطرة الاسلامية قد طال أمده، وحان الوقت لكي تنضم المدينة المقدّسة الى المرجعيات المسيحية وبخاصة كنيسة روما.
وسرعان ما سرت شائعات بأن مدينة القسطنطينية ستسقط بيد المسلمين، واذا ما حصل هذا الامر فسيكون مصير المسيحيين في الشرق الاوسط مهددا ومستقبلهم في المنطقة مجهولا. لذلك بدأ التنادي في أوروبا لحرب مقدّسة لتحرير القدس من أيدي المسلمين وانقاذ القسطنطينية.
فكرة الحرب المقدّسة كان وراءها بعض المتشدّدين من المسيحيين في اوروبا الغربية وخاصة فرنسا، عندما نادوا بالزحف المقدّس لتحرير القدس، وخاطوا صلبانا حمرا حول ستراتهم واطلقوا على أنفسهم لقب الصليبيين.
واثناء التحضيرات للحملة الصليبية الاولى عام 1096، كثرت أعمال العنف ضد يهود اوروبا وخاصة في فرنسا وألمانيا، بسبب تسريب شائعات بأن اليهود والمسلمين هم أعداء المسيح، وأن أعداء المسيح يجب محاربتهم الى ان  يتحوّلوا الى الديانة المسيحية. وكانت تلك الشائعات ترتكز على الوفاق الحاصل بين المسلمين واليهود في مدينة القدس وحصول بعض اليهود على مراكز مهمة في ادارات الدول الاسلامية المتعاقبة، مع أن المسيحيين في المنطقة كانوا ينعمون بمثل تلك المعاملة.
أما في بلاد الشام والاناضول وفلسطين، فقد كانت الحروب متواصلة بين الاتراك والسلاجقة للسيطرة على الاناضول وسوريا. وكانت المملكة السلجوقية مقسّمة الى دويلات منفصلة عن بعضها البعض.
وكانت مصر وفلسطين تحت سيطرة الحكم الفاطمي الشيعي، الذي فقد السيطرة على القدس عام 1073 بعد سيطرة السلاجقة عليها، الا ان الفاطميين استردوا المدينة عام 1098 وذلك قبل فترة قصيرة من وصول الصليبيين اليها.
وفي اوروبا، استقرت جماعات من سلالة الفايكينغ تدعى النورماند في جزء من فرنسا سمّي فيما بعد " النورماندي". وكان النورماند يشتهرون بنزعتهم الروحانية وتطرّفهم المسيحي. وسرعان ما سيطروا على "صقلية" وجنوب ايطاليا وشكّلوا مملكتهم هناك، ثم غزوا "انجلترا" عام 1066 وأخضعوها لفرنسا مركز سلطتهم. وتوجّهوا ليسيطروا على بقية المناطق في المملكة البريطانية.
شجّعت النزعة الصليبية لدى النورماند الكنيسة لتطلق حملة نداء لحرب مقدّسة، تحت عنوان حماية القسطنطينية وتحرير القدس والاراضي المقدّسة من المسلمين. وفي عام 1096 شكّل جيش من النورماند بقيادة ثلاثة من كبار القادة هم روبرت وهيو وغودفري. وقاد ريمون سان غيل جيشا من جنوب فرنسا وايطاليا وزحفوا جميعهم نحو القدس ووصلوا الى القسطنطينية عام 1097 بعد رحلة طويلة واجهوا خلالها مشقّات جمّة.
حاصر الصليبيون مدين "نيسيا" (حاليا إيزنيك التركية) عاصمة السلاجقة الاتراك التي كان يحكمها السلطان أرسلان. وعاون الصليبيون في حصارهم مجموعة من الجنود البيزنطيين والاسطول البيزنطي الذي أحكم حصاره من البحر. واستسلمت "نيسيا" الى الامبراطور البيزنطي "اليكسيوس" الذي منع الصليبيين من نهب المدينة، الامر الذي تبعه عواقب وخيمة فيما بعد.
زحف الصليبيون نحو انطاكيا، غير ان السلطان ارسلان استطاع ان يجمع جيشه ويكمن لهم عند موقع " دوريلايوم". ولكن القائد ريمون سان غيل فاجأ الاتراك وأجبرهم على الفرار.
لم يكن كمين الاتراك ناجحا بيد انه أفقد الصليبيين امدادات الطعام والماء التي شحت بشكل كبير، الى جانب البرد القارس الذي داهم الجنود. عند ذلك قرر الصليبيون ضم مملكة "إيديسّا" (الرها) الارمنية التي كانت حدودها تمتد من "كيليكيا أو قلقيلية" في قلب الاسكندرون الى الفرات في وسط الاراضي الاسلامية، فأمّن الصليبيون بذلك خاصرة قوية لهم من الناحية العسكرية.
بدأ حصار "أنطاكيا" في أكتوبر عام 1097 وامتد كل فترة فصل الشتاء، حين بدأ الصليبيون يعانون مرة ثانية من شح في المواد الغذائية والتموينية ومياه الشرب، فمات كثير من الجند بسبب الجوع او العطش بما فيهم قادة عسكريين وروحيين وفضّل عدد منهم العودة الى ديارهم في اوروبا.
وجد الصليبويون ثغرة في جدار احد بروج انطاكية فتحها لهم ظابط ارمني اعتنق سابقا الدين الاسلامي وصار يحارب مع السلاجقة، فدخل الصليبيون المدينة ليفاجئوا بالقائد التركي "قيربوغا" أو "كريغا" المشهور ببراعته العسكرية، يحاصرهم من خارج المدينة.
نجح الصليبيون بفك الحصار عنهم والخروج من المدينة، غير انهم أمضوا شهورا بعدها يحاولون توحيد صفوفهم ليأخذوا بعد ذلك "انطاكيا" بقيادة "بوهيموند" ويزحف الباقون نحو القدس تحت إمرة ريمون سان غيل ووصلوا أسوار المدينة أوائل عام 1099.
كان حاكم القدس في ذلك الوقت "إفتخارالدولة" الفاطمي، فقام بطرد جميع المسيحيين من المدينة وعزل الريف عن المدينة.
قاد بعض الكهنة مسيرة مشوا فيها حفاة وأنشدوا خلالها الاناشيد الدينية وحملوا صلبانا ورموزا مسيحية، وسار ورائهم الجيش الصليبي نحو المدينة في خطى بطيئة وكأنهم في موكب رسمي. وبعد ستة أيام استطاعوا اقتحامها واحتلالها.
دخل الصليبيون الى المسجد الاقصى وقتلوا من وجدوا فيه، ثم توجّهوا الى المعبد اليهودي الذي لاذ اليه يهود المدينة، فأحرقوه بمن فيه.
واستطاع "افتخار الدولة" ابرام اتفاق مع "سان غيل" أمن بموجبه رحيله مع حاشيته عن المدينة. وأعلن الصليبيون من كنيسة القيامة تأسيس مملكة القدس وتعيين "غودفري" ملكا روحيا عليها.
حاول الفاطميون استعادة القدس غير انهم فشلوا وتراجعوا الى مصر. وعاد معظم الجنود الصليبيين الى بلادهم بعد انتهاء الحملة بتحرير القدس.
حكم "غودفري" المدينة عاما واحدا وخلفه بعد موته شقيقه "بالدوين" ملك "إديسا" والذي كان اول من حمل لقب ملك القدس.
عمل الملك "بالدوين" على تأسيس فريقين من العسكر المتدينين: فرسان تامبلار وفرسان هوسبيتالر.
ونتيجة للحملة الصليبية الاولى، أسس الصليبيون دولا خاضعة لهم في اديسا وانطاكية وطرابلس في تركيا وسوريا وفلسطين وصارت تلك الدول حليفة لهم ضد اي عدوان من جيوش المسلمين.
عانى المسلمون من التغييرات الجديدة في المنطقة التي كان لها وقع ثقيل على مكاسبهم وسلطانهم، فتنادوا من مصر الى بغداد لمحاربة الصليبيين وطردهم، واستطاع صلاح الدين الايوبي بعد فترة وجيزة من استرجاع مدينة القدس وتوحيد جميع المناطق تحت راية الاسلام.

صلاح الدين الايوبي يسترجع القدس

كان "فرسان تامبلار" من خيرة جنود الصليبيين، وكانوا يتقدمون المعارك ليخترقوا صفوف الاعداء. وكانوا فوق ذلك فرقة مستقلة اداريا استطاعت خلق هيكلية مالية فذّة للجيش الصليبي المتواجد في المنطقة. وبرغم ان عقيدتهم تستند على الفقر الشخصي فقد سيطروا على ثروات طائلة تعدّت حدود التبرعات وارتكزت على اجتهاد منهم، بخلق نظام مالي يسمح لهم بتسهيل الامور المالية للصليبيين والاستفادة من اموالهم.
كان فرسان تامبلار اول من اوجد نظام البنوك، حيث كان اغنياء اوروبا ونبلاؤها المشاركون في الحملات الصليبية، يودعونهم ثرواتهم لحين انتهاء مهماتهم في الحملات. وحصل فرسان تامبلار بذلك على ثروة طائلة من جراء خدماتهم "البنكية" التي طوّروها باصدار "سندات اعتماد" لحجاج المدينة المقدسة من اوروبا، بحيث كان الحجاج يودعوهم مبالغ مالية في اوروبا لقاء سندات اعتماد، يصرفونها لدى وصولهم الى القدس.
وبدأ نفوذ فرسان تامبلار يطغى على باقي الفرق المسيحية، التي بدأت الخلافات تسيطر عليها حول ادراة شؤون المدينة المقدسة. في غضون ذلك كان المسلمون يجمعون قواهم وتمكّن حاكم حلب او "زنغي حلب" المالك المنصور من احتلال "إديسا" الامر الذي حذى البابا "يوجين الثالث" من اصدار امر كنسي يدعو الى حملة صليبية ثانية.
وكما حصل خلال التحضيرات للحملة الاولى، فقد تعرض يهود اوروبا لمجازر خاصة في مناطق نهر الراين لرفضهم المساهمة المالية لانقاذ الارض المقدسة.
اراد الملك الفرنسي "لويس السابع"، ان تكون الحملة العسكرية منفصلة عن الكنيسة خصوصا بعد ان سلّم "يوجين الثالث" صليب الحملة الى الملك الالماني "كونراد الثالث" ليقود الصليبييين الى القدس.
وصل لويس الثالث قبل بقية ملوك اوروبا الى القسطنطينية واستقبله "رايموند بواتييه" الذي كان يتوقع ان يتوجها سويا نحو حلب التي تعتبر بوابة "إديسا". بيد ان الملك الفرنسي رفض وأصر على الذهاب الى القدس للحج ونأى بنفسه عن أية مشاركة عسكرية صليبية. ولكنه قتل مسموما قبل ان يصل الى المدينة المقدسة.
تجمّعت القوات الصليبية في داريا بالقرب من دمشق، وواجهوا هناك جيش المسلمين الذي اجبرهم على الانكفاء بمساعدة سلطان حلب "نور الدين" بقطعه الامدادات عن الجيش الصليبي، والقرار الذي اتخذه الصليبيون المحليون بعدم المضي بحصار دمشق والعودة الى القدس.
في عام 1135 حاصر الملك بالدوين مدينة عسقلان وتقدم نحو مصر بغية احتلال القاهرة.
اثناء ذلك بزغ نجم صلاح الدين الايوبي الكردي كقائد عسكري فذ، حيث لعب دورا بارزا في هزيمة الصليبيين في مصر وأسر قائد جيوشهم "هيو" حاكم القيسارية.
سار صلاح الدين بجيشه نحو الاسكندرية لحمايتها وبنهاية عام 1169 هزم الجيش الصليبي في دمياط.
بعد احكام سيطرته على مصر شن صلاح الدين حملة عسكرية شاملة وحاصر مدينة دير البلح التي كانت قاعدة عسكرية مهمة لفرسان تامبلار وفرسان هوسبيتالر الذين كانوا يستخدمونها لشن هجماتهم على الفاطميين.
توجهت فرقة من فرسان تامبلار من غزة للمساعدة في الدفاع عن دير البلح، لكن صلاح الدين تمكن من سحقهم واحتلال غزة ومهاجمة ايلات لتأمين ظهر جيوشه. ثم عمد بعد ذلك لتدمير حصني الكرك ومونتريال (الشوبك) في صحراء القدس، وكان السلطان الدمشقي نور الدين يسانده بشن هجمات متواصلة على الصليبيين في سوريا لمنعهم من مساندة الصليبيين في فلسطين ومصر.
عندما توفي السلطان نور الدين عام 1174 خلفه ابنه الصالح اسماعيل الذي كان في الحادية عشرة من العمر، فتم ابعاده وسيطر على سوريا حفنة من القادة الذين ادّعوا الوصاية على السلطان الصغير. كان صلاح الدين في تلك الاثناء منهمكا بقمع تمرد النوبيين مع بعض الارمن في صعيد مصر، وحين تم له ذلك قصد دمشق المدينة التي نشأ فيها، فدخلها وسط تكريم غير مسبوق من الدمشقيين بعودة ابن مدينتهم البار. عيّن صلاح الدين أخاه تاج الدين حاكما على دمشق، وخرج ليسيطر على حماة وحلب بعد افشاله محاولة لاغتياله.
توجّه حاكم طرابلس الصليبي ريمون، لمواجهة صلاح الدين عند النهر الكبير شمال لبنان، لمنعه من التقدم جنوبا، بيد ان القائد المسلم فضّل غزو حمص واحتلال قلعتها.
بعد انتصاراته العسكرية العديدة، نصّب صلاح الدين نفسه ملكا، ولقي ذلك ترحيبا كبيرا من الخليفة العباسي في بغداد الذي أطلق عليه لقب سلطان مصر وسوريا.
عندما ارسل الصليبيون جيشا قويا لاحتلال حصن إدلب، اتخذ صلاح الدين من ذلك حجة لنقض المعاهدة القائمة بينه وبين الصليبيين وسار الى عسقلان (عروس سوريا) وسيطر في طريقه على مدينتي اللد والرملة ووصل الى ابواب القدس.
أثناء محاصرته للقدس، طلب منه الملك بالدوين ان يسمح لفرقة من فرسان تامبلار بالدخول الى عسقلان، غير انه فوجيء بمهاجمتهم له عند مدينة تل الجزر قرب الرملة. وكانت المفاجأة شديدة ضعضعت جيشه واضطرته الى التراجع للحدود المصرية.
عام 1178 قرر صلاح الدين مهاجمة الصليبيين مرة اخرى، فأخذ حمص وحماة وأسر الكثير من الصليبيين وامر بقطع رؤوسهم.
خطط الصليبيون لمفاجأة صلاح الدين في شرق مرتفعات الجولان، ولاحق الملك بالدوين بغباء جيش المسلمين، مغترا بانتصاره السابق عليهم، لكنه مني بهزيمة نكراء عند مدينة القنيطرة. وفي السنة اللاحقة أقام بالدوين مركزا (مخفرا) عسكريا على طريق الشام لتحصين الممرعلى نهر الاردن، عرف بممر يعقوب أو بنات يعقوب وكان يسيطر بواسطته على سهل بانياس.
عرض صلاح الدين اموالا كثيرة على بالدوين لالغاء ذلك المركز باعتبار انه اهانة كبيرة للمسلمين، غير ان اصرار بالدوين على الرفض واصراره على ابقاء المركز حملا صلاح الدين على ازالة المركز بنفسه وكان يتحصّن به خيرة فرسان تامبلار، فدمّره وأسر العديد من الفرسان.
قبل صلاح الدين عام 1180 هدنة عرضها عليه الملك بالدوين، واستغل فترة الهدنة بقمع اعدائه في الداخل، فتوجه الى دمشق وحاصر بيروت وتمركز في وادي البقاع ثم توجه لمعالجة امور استجدت في منطقة ما بين النهرين.
في طريقه نحو الفرات، أخذ صلاح الدين إديسا، وسروج، والرقة، وقرقيسيا والنسيبين. واثناء محاصرته للموصل، وصلته رسالة ان الصليبيين وجّهوا سفنهم الى خليج العقبة وغزو المدن والقرى الواقعة على ساحل البحر الاحمر. فأمر قائد اسطوله لؤلؤة وهو من اصول ارمنية لفك حصار الصليبيين وتدمير سفنهم.
قطع الصليبيون طريق الحج الى مكة، وتواصلت اعتدائاتهم  على الحجاج المسلمين، فوجّه صلاح الدين اسطوله لحصار بيروت في رد منه على تهديد الصليبيين بمهاجمة مكة والمدينة.
حسم صلاح الدين الامر في معركة حطين، وكبّل الصليبيين هزيمة نكراء وكلل نصره باحتلال مدينة القدس عام 1187.
كانت معركة حطين معركة فاصلة في تاريخ الحملات الصليبية حيث احتل المسلمون بعدها جميع المدن الصليبية. وحين تمت السيطرة على مدينة القدس، جمع صلاح الدين اليهود فيها وطلب منهم استعادة ممتلكاتهم ومراكزهم في المدينة.
وكان لسقوط القدس صدى مدويا في اوروبا، فقرر ملك انجلترا ريتشارد الاول الملقب بقلب الاسد، قيادة حملة صليبية (ثالثة) فاحتل عكا وقتل فيها اكثر من 3000 مسلم. وردّ صلاح الدين بقتل كل الفرانكيين الذين كان قد اعتقلهم عند احتلاله للقدس.
تواجه الملكان في معركة "أرصف" حيث استطاع ريتشارد ان يهزم صلاح الدين الا انه لم يفلح باستعادة القدس.
ومع الوقت نشأت بين صلاح الدين وقلب الاسد علاقة مميزة بنيت على احترام متبادل، وتطوّرت الى حد ان عرض ريتشارد على صلاح الدين تزويج اخته "جون" ملكة صقلية من شقيق صلاح الدين وتكون مدينة القدس هدية الزفاف.
لمّا رفضت شقيقة الملك الانكليزي العرض، استطاع الملكان التوصل الى "اتفاق الرملة" عام 1192 الذي نص على ابقاء القدس بيد المسلمين شريطة فتح المدينة امام حجيج المسيحيين وتسهيل اقامتهم.
توفي صلاح الدين عام 1193 بعد فترة قصيرة من عودة ريتشارد قلب الاسد الى دياره.
بدأت الحملة الصليبية الرابعة بغزو القسطنطينية عاصمة البيزنطيين واقامة مملكة لاتينية تدين بولائها الى الكنيسة الغربية. الامر الذي ادى الى الانشقاق النهائي بين الكنيستين وشعور الاغريق بمرارة متناهية جرّاء ما اعتبروه خيانة عظمى خصوصا وان الحملة الصليبية الرابعة لم تتوجه مطلقا صوب القدس.
عام 1218 توجه جيش مختلط من المجر والنمسا وهولندا الى فلسطين لتحرير القدس. فتحالف معهم الملك السلجوقي وهاجموا الايوبيين في سوريا.
ثم توجهوا الى مصر واحتلوا ميناء دمياط، الا ان سلطان مصر الكامل اجبرهم على الانسحاب وتوصلّوا جميعهم الى هدنة 8 سنوات.
عام 1248 فشلت حملة الملك الفرنسي لويس الرابع لاحتلال دمياط. بيد ان الامبراطور الروماني فريدريك الثاني نجح بواسطة حيلة ديبلوماسية لسيطرة مؤقتة على مدينة القدس.
تزوج الامبراطور الروماني من ابنة الحاكم الاسمي لمملكة القدس، وابحر الى سوريا ثم قبرص ليتوجه من هناك الى مدينة عكا عاصمة مملكة القدس المقتطعة للمطالبة بعرشها.
ادّعى فريدريك ان حاكم قبرص جون ايبلين هو حاكم غير شرعي وطالبه بتسليم وقفه في بيروت الى مملكة القدس الذي هو ملكها. وانقسمت عكا في تأييدها لفريدريك، فرفض فرسان تامبلار دعمه مباشرة غير انهم ناصروه عندما وافق على عدم مهر اسمه على المستندات التي تحمل اوامر المهمات العسكرية.
عمل فريدريك على استمالة سلطان مصر الكامل، بعدم نقض الحلف الذي وقّعه مع اوروبا اثناء الحملة الصليبية السابقة وفي نفس الوقت كان يشن غارات متواصلة على الايوبيين في سوريا. وتحت بنود معاهدة ثانية لمدة عشرة سنوات اضافية، وافق سلطان مصر الذي كان يعاني من ثورات داخلية ضده، على التنازل عن القدس للفرانكيين. وسيطر فريدريك ايضا على الناصرة وصيدون وحيفا وبيت لحم. واحتفظ المسلمون بالسيطرة على جبل المعبد والمسجد الاقصى وصخرة القبة. وبقيت القلاع في شرق الاردن بأيدي الايوبيين.
في عام 1244 تقدّم المغول في الشام وفلسطين واخذوا القدس وسلّموها الى المماليك الذين تحالفوا معهم بعد انهوا العهد الايوبي في مصر. فعادت بذلك القدس الى المسلمين، وكانت اوروبا في تلك الاثناء باستثناء فرنسا مشغولة بصراعات داخلية.
استفرد الملك الفرنسي مستفيدا من الصراعات داخل اوروبا، بشن حملة صليبية اخرى، وحاول النزول في ميناء دمياط المصري، الا ان فيضان مياه نهر النيل منعه من ذلك لفترة ستة اشهر تقريبا.
استطاع الملك الفرنسي بمساعدة فرقة من فرسان تامبلار بمهاجمة مدينة المنصورة، فهزموا عند ابوابها على يدي القائد المملوكي القوي الظاهر بيبرس. افتدى الملك نفسه ورحل الى عكا التي كانت لا تزال واحدة من أقاليم الصليبيين في ارض كنعان.
عام 1267 اقنع شارلز اخاه الملك الفرنسي بخطة انتقام تعيد له هيبته، وتقضي الخطة باحتلال تونس اولا لتسهيل الهجوم على مصر من الجبهة الافريقية.
وصل لويس الى تونس عام 1270 غير ان حظه العاثر لم يخدمه ايضا هناك حيث مات معظم جنوده من حالات تسمم من مياه الشرب الملوثة، ومات هو بسبب التهاب في معدته، فتولى شقيقه بعده الحملة الصليبية وعمد الى التوصل الى مهادنة مع المستنصر سلطان تونس حصل بموجبها على تبادل تجاري حر مع تونس وضمان اقامة الكهنة والرهبان فيها.
عام 1271 توجه الامير الانكليزي ادواردز في حملة صليبية تاسعة لمساندة امير انطاكية وحاكم طرابلس، بمقاومة الظاهر بيبرس الذي احتل انطاكية عام 1268 وصار يهدد دولة طرابلس.
عقد الامير الانكليزي حلفا مع المغول ضد المسلمين الا ان الظاهر يبرس اوقع بهم هزيمة بالغة اجبرت المغول على التراجع الى ما وراء نهر الفرات. وتوصّل الامير الى اتفاق مع بيبرس الا ان هذا الاخير حاول اغتياله، فاضطر ادواردز الى الهروب الى عكا ومنها عاد الى وطنه.
في تلك الاثناء كان الملك ميشال الثامن يعيد احياء المملكة البيزنطية الامر الذي اغضب البابا مارتن الرابع  وأدّى بالصقليين الى مهاجمة القسطنطينية الا انهم سرعان ما تقهقروا وعادوا ادراجهم.
عام 1289 نجح السلطان قلاوون بتحرير طرابلس من الصليبيين والقضاء على المقاومة المسيحية. ثم توجّه الى عكا فاحتلها وانهى بذلك حصنا صليبيا منيعا.
وانتهت حقبة الحملات الصليبية التي دامت 208 سنوات عندما خسر الصليبيون جزيرة ارواد عام 1303 والتي كانت آخر معقل لهم.

الامبراطورية العثمانية
عندما اكتشف الرحالة البرتغالي فاسغو دي غاما طريقا ملاحية حول رأس الرجاء الصالح عام 1479، بدأت السفن الحربية البرتغالية تعترض السفن التي تحمل بضائع للحجاج المسلمين من الهند والبلاد الواقعة على البحر الاحمر. الامر الذي جعل السلطان المملوكي الغاوري سلطان مصر بالاتفاق مع الدولة الهندية غوجارات واليمن، على التهديد بتدمير كل مراكز العبادة المسيحية معتبرين ان ما تقوم به السفن البرتغالية تهديدا مباشرا لمكة.
ولكي يحمل البرتغاليون تهديد السلطان على محمل الجد، امر ببناء 50 سفينة حربية، وطلب من العثمانيين الاتراك مساعدته بخبرتهم الملاحية.
لاحقا اتهم العثمانيون السلطان المصري الذي بدأ يضعف جرّاء حروبه المتواصلة مع البرتغال، بتأمين ممر آمن لاسماعيل الصفوي من سوريا الى البندقية وفتح مصر امام اللاجئين الصفويين.
وفي عام 1517 سقطت كل من مصر وسوريا بيد السلطان العثماني سليم الاول الذي انهى عهد المماليك، غير انه ابقى نخبة منهم ليحكموا مصر تحت سلطانه، وبذلك بقيت مصر دولة تابعة للدولة العثمانية.
أخذ العثمانيون مدينة القسطنطينية من البيزنطيين، وغيّروا اسمها الى اسطنبول عام 1453. وفي نفس العام وافق السلطان محمد الثاني مع البطريرك الارثوذكسي اغناديوس، على ابقاء الكنيسة الارثوذكسية تحت الحكم الذاتي واستملاكها لوقف اراضيها وممتلكاتها مقابل الاعتراف بالسلطة العثمانية عليهم. كانت موافقة الكنيسة الارثوذكسية سريعة بسبب العلاقات المتدهورة مع اوروبا الغربية. وذهب قول احد كبار اساقفتهم مثلا حين قال "طربوش السلطان ولا قبعة الكاردينال".

واستطاعت الامبراطورية العثمانية ضم جميع الاراضي التي كانت تابعة للبيزنطيين، لكنهم خسروا بعض المناطق في البلقان مثل سالونيك وكوسوفو ومقدونيا. الا ان السلطان محمد الفاتح الذي اشتهر بلقب "قيصر الروم" استرجعها لاحقا وضم اجزاء من شبه الجزيرة الايطالية الى مملكته.
وفي عهد السلطان العثماني سليمان القانوني احتل العثمانيون بلغراد والمجر ووصلت جيوشهم لتحاصر مدينة فيينا النمساوية.
وفي عام 1535 احتل العثمانيون مدينة بغداد، لتزيد سيطرتهم في بلاد ما بين النهرين، ويصبح لديهم مدخلا بحريا على الخليج الفارسي.
سيطر العثمانيون على معظم بلاد حوض البحر الابيض المتوسط، وحققوا انتصارات عديدة على الاساطيل التابعة لاوروبا الغربية وخاصة في تونس والجزائر، واستطاعوا تحرير المسلمين واليهود من القبضة المسيحية في اسبانيا وسالونيكا وقبرص.
احتل السلطان سليمان القانوني مدينة القدس التي شهدت في عهده ازدهارا وتطورا، وأعيد بناء الاسوار حول المدينة العتيقة كما أصبحت القدس عاصمة فلسطين.
سامي الشرقاوي

الأربعاء، 22 يونيو، 2011

فلسطين والقدس في زمن العهد الاسلامي


الفصل الرابع

كانت مدينة القدس هي مركز الكنيسة المسيحية في القرن الاول للميلاد، بسبب الكرامة التي حظيت بها كونها شهدت موت السيد المسيح وقيامه، ولأنها كانت أيضا مركز العصر الرسولي. غيرأن الأهمية السياسية للمدينة انحدرت في القرن الثاني للميلاد عندما تعرّض الرسل لهجمات عنيفة أودت بحياة معظمهم ومن لم يقتل أو يسجن فرّ الى البلاد المجاورة.

عمد اليهود والمسيحيون الاوائل في بداية الديانة الجديدة الى الصلاة جنبا الى جنب، ولم يكن الرومان يميّزون بينهم ربما بسبب النظام الضريبي المتّبع والذي لم يكن يفرّق بين مواطن وآخر.
ولم تتمكن "أرض كنعان" الموصوفة في الكتاب المقدس بـ "الارض المقدسة" من استعادة امتيازتها الدينية والسياسية حتى قامت الامبراطورة "هيلانة" (القديسة هيلانة)  قرينة الامبراطور "قسطانطينوس"، ووالدة الامبراطور" قسطانطين الاول"، بزيارة حج الى المدينة المقدسة، حيث أكرموها هناك بسبب ما قيل عن اكتشافها لبقايا الصليب الحقيقي الذي صلب عليه المسيح.

لاحقا أصبحت مدينة روما أهم مركز كنسي في الغرب وبقيت مدينة أنطاكية أهم مركز كنسي في الشرق.

كانت مدينة (إديسا) وتعرف اليوم بإسم "الراحة" أو "أورفا" ( وهي تقع في جنوب شرق تركيا على نهر الفرات)، موقعا استراتيجيا لربطها الطرق التجارية لمنطقة الهلال الخصيب، وكانت ممرا لمدينة أنطاكيا التي انطلقت منها مهمات الرسل، والتي وجد فيها المسيحيون الاوائل ملاذا يحميهم. وخلال وقت قصير زاد عدد المسيحيين في أنطاكيا وصارت المسيحية دين الدولة الجديد.

ومن أنطاكيا بدأ المبشرين رحلاتهم للتبشير، فانتشر الدين المسيحي الجديد في انحاء بلاد ما بين النهرين، وفارس وآسيا الوسطى وصولا الى الصين.

وفي القرن السادس للميلاد حلّت الامبراطورية البيزنطية محل الامبراطورية الرومانية واعتبرت امتدادا لها. وفي عام 532 للميلاد أُنشأت الكنيسة الثانية "للحكمة المقدسة" (آيا صوفيا) في مدينة القسطنطينية (اسطنمول) في عهد الامبراطور "جوستينيانوس الاول". وكان قد تم تدمير الكنيسة الاولى اثناء الانتفاضات الشعبية التي شهدتها المدينة. وأصبحت كنيسة "آيا صوفيا" مركز المجمّع الكنسي لحكام الامبراطورية البيزنطية أو الامبراطورية الرومانية الشرقية.

أما في شبه الجزيرة العربية، فقد وجدت المسيحية حضنا دافئا وموقع قدم مهم في مملكة شيبا (اليمن)، وتشتهر تلك المملكة بأن ملكتها قامت بزيارة تاريخية الى الملك سليمان كان لها دلالات دينية وسياسية، كما أن المسيحيين انتشروا أيضا في بلاد الحبشة – "أرض حام".

شهد القرن السابع للميلاد مولد الاسلام في مكة المكرمة في شبه الجزيرة العربية، على يدي الرسول محمد بن عبد الله.
ولم يعارض هذا الدين الجديد الديانات التوحيدية وخصوصا اليهودية والمسيحية، بل على العكس أثبتها وأقرّ بها وقال أنه تكملة لها، وأن النبي العربي هو خاتم الانبياء.
غير أن الاسلام أضاف تعاليم ومعتقدات ونظرة جديدة الى الايمان.

استطاع النبي والرسول العربي توحيد كافة اقطار شبه الجزيرة العربية تحت راية الاسلام، وصارت كلها تدين بالدين الجديد وتخضع لحكمه بما فيها مملكتي اليمن والحبشة المسيحيتين.
وبدأت الفتوحات الاسلامية تتمدد الى ما بعد حدود شبه الجزيرة العربية.

كانت الامبراطورة الرومانية خلال تلك الفترة قد أنهت حروبها مع المملكة الساسانية فطوت بذلك حقبة قاسية دامت عقودا عدّة شهدت معارك متواصلة أنهكت الطرفين وشلّت قدراتهما العسكرية، مما سمح للمسلمين التغلب عليهما تباعا.

أحيا المسلمون عبارة "الدين الحنيف" التي تشير الى حقبة ما قبل الديانات اليهودية والمسيحية. وأراد المسلمون بهذه العبارة أن يمّيزوا بين عصر الجاهلية الذي كان يسود قبل الاسلام وبين العصر الاسلامي الجديد. ودعموا حجتهم بأن الدين الحنيف هو الدين الذي لا يقبل الشرك بالله وعبادة الاوثان، وهو دين يرجع بالزمن الى النبي ابراهيم الذي حارب الاوثان وحطّمها، معلنين أن ابرهيم لم يكن يهوديا أو نصرانيا انما كان حنيفا مسلما، بل انه هو وابنه اسماعيل هما أول المسلمين.

ويقول المسلمون ان ابراهيم وابنه اسماعيل هما اللذان بنيا الكعبة في مكة، وعلى وقع قدم اسماعيل نبعت "مياه زمزم"، وان ابراهيم واسماعيل هما وسلالتهما هم أجداد العرب المباشرين.

يرفض المسيحيون مقولة ان ابراهيم كان على الدين الحنيف، ولا يقبلون ان أتباع الدين الحنيف هم أتباع ابراهيم وأنهم من سلالته.

ما أن توفي النبي محمد، حتى بدأت جيوش المسلمين بغزو البلاد المجاورة لضمّها الى الامة الاسلامية،  فغزت ايران وسواحل بلاد الشام ومصر، وصارت كل تلك البلاد تحت الراية الاسلامية في عام 642 للميلاد.

وفي القرن الثامن للميلاد استطاع المسلمون الوصول الى شمالي افريقيا، اسبانيا، البرتغال في الغرب والهند في الشرق حتى اندونيسيا وصارت كل تلك البلاد بلادا اسلامية.

في تلك الفترة كانت مدينة بغداد تتقدم بخطى ثابتة لتصبح عاصمة المعرفة واستطاعت جمع أعمالا تاريخية وجغرافية وعلمية قيّمة من كتب ومخطوطات لعلماء رومان وإغريق.

انهارت الامبراطوريتان البيزنطية والساسانية تحت وطأة الفتوحات الاسلامية، التي استرجعت بلاد مصر وفلسطين وسوريا. وبذلك انتهت السيطرة السياسية والاجتماعية لليهود كما انتهى النفوذ اليهودي على تلك المنطقة.

كان الرسول العربي قبل وفاته قد أمر بتجهيز حملة كبيرة ضد الامبراطورية الرومانية. وعزم خليفته الاول أبو بكر الصديق على تنفيذ أوامر النبي، وأمر الجيش بالتوجه لكسر الشوكة الرومانية في منطقة ما بين النهرين، برغم انتفاضات القبائل والعشائر على الدين الجديد، والتي باتت تهدد بانقسام جيش المسلمين. غير أن أبا بكر استطاع أن يقمع تلك الانتفاضات ويسيطر على كل القبائل وارجاعها تحت كنف الاسلام (حروب الردة).

حمل جيش المسلمين على العرب المسيحيين من بني كلب وبني غسان، ثم واصل حملاته داخل العراق ليقهر الجيش الساساني. وقبل أن يدخل المسلمون بلاد ما بين النهرين، حسم الجيش بقيادة خالد بن الوليد، معارك السلاسل واليمامة والنهر والولاية، وهي معارك تاريخية ثّبتت راية المسلمين وسهّلت لهم مهمتهم داخل المنطقة.

وبعد موت أبي بكر الصديق استلم عمر بن الخطاب زمام الخلافة وتابع عمل سلفه لفتح بلاد ما بين النهرين وسوريا. واشتبك جيشه مع الجيش الفارسي في القادسية بمعركة تاريخية أنهت الحكم الساساني غرب فارس. بعدها مشى جيش الاسلام ليحتل بابل وبهرشار والمدائن. وفي عام 638 أصبح وادي دجلة والفرات تحت السيطرة الكاملة للمسلمين.
وتعتبر معركة "النهوند" من أكبر المعارك الفيصلية الحاسمة في تاريخ الاسلام، لأنها فتحت الطريق أمام جيش المسلمين ليدخل جميع بلاد فارس وتصبح كلها جزءا من الامة الاسلامية.

كان الرومان عندما احتلوا "أرض كنعان" وسيطروا عليها، أخضعوا مدينة القدس لقوانينهم،  وألغوا تسمية المنطقة "بأرض كنعان"، وأطلقوا عليها اسم بلاد فلسطين، كما أطلقوا على الاراضي المجاورة بما فيها النجف وسينا والساحل الغربي لشبه الجزيرة العربية اسم "جوار فلسطين" أو "فلسطين 3" .

في ذلك الوقت كانت سوريا مقسّمة الى قسمين: سوريا الاقليم من أنطاكية الى حلب في الشمال وحتى البحر الميت في الجنوب. وفلسطين بما فيها الاماكن المقدسة للديانات الابراهيمية الثلاث.
وكان جزء كبير من سوريا أرضا عربية، وسكّانه العرب متواجدون منذ التاريخ.
وكان اقليم سوريا بغاية الاهمية السياسية والتجارية والدينية، الى ان نزحت اليه قبيلة غسان من اليمن، وأقاموا هناك مملكة غسان. وحكم الغساسنة المنطقة في ظل الامبراطورية الرومانية، وكانت تسيطر على عرب الاردن وجنوب سوريا من عاصمتها بورصة وهي اليوم من ضمن محافظة  "درعا" السورية.
عندما عزم المسلمون على فتح الشام، أراد قائد الجيش خالد بن الوليد بدهائه العسكري أن يتجنب طريق بلاد ما بين النهرين، وذلك بسبب المحميات الرومانية المتواجدة في شمالي البلاد. فشقّ جيشه طريقا في الصحراء السورية وفاجأ الجيش البيزنطي شمال سوريا وشلّ قدراته الدفاعية.
وبعد احتلاله عدة مدن في شمال سوريا واصل تقّدمه جنوبا نحو مدينة "دمشق" الى انه قرر تجاوزها ليصل الى مدينة "بورصة" عاصمة الغساسنة ويقهرهم فيها، واستسلمت له المدينة عام 634.
بعدها توجه خالد ليدحر الجيش البيزنطي ويحتل دمشق فدخلها بعد حصار دام ثلاثين يوما.

ولمّا استتبّ الامر للمسلمين في سوريا، تقدّم الجيش نحو فلسطين واحتل نابلس وغزة، وأمر عمر بن الخطاب باحتلال كافة مدن ساحل شرق البحر الابيض المتوسط، فسقطت عكا وصور وصيدا وعرقة وجبيل وبيروت تباعا.
وفي عام 635 كانت فلسطين والاردن وجنوب سوريا بيد المسلمين باستثناء مدينة القدس.

تعتبر معركة اليرموك بين الجيش الاسلامي والجيش البيزنطي معركة تاريخية فاصلة، حسم بها المسلمون قدرالامبراطورية البيزنطية فأنهوها عسكريا وسياسيا، ولم تستطع النهوض فترة طويلة بعد تلك المعركة، ما جعل كل البلاد البيزنطية تحت التهديد المباشر للغزو الاسلامي.

وعندما قرّر المسلمون دخول القدس، وافق حكّامها على الاستسلام دون معركة، غير انهم رفضوا تسليم المدينة للجيش، وأصروا على تسليمها الى الخليفة عمر شخصيا  الذي حضر من المدينة المنوّرة لاستلام مفاتيح القدس.

بعدها توجّه الجيش الاسلامي الى مدينة حلب ثم انطاكيا وعزلهما عن بلاد الاناضول. فاستسلمت أنطاكية بسهولة وتحرّك الجيش ليأخذ اللاذقية وجبلة وحمص وطرطوس وساحل لبنان الشمالي.

وعندما قرّر قسطنطين فيما بعد اعادة الاعتبار للامبراطورية البيزنطية، توجه بجيش كبير ليستعيد سوريا ولبنان، الاّ ان والي الشام في تلك الاثناء معاوية بن أبي سفيان، أرسل سفنه العسكرية الى قبرص وكريت ورودس وشن من تلك القواعد غارات متواصلة على غرب الاناضول معرقلا بذلك أي تقدم للجيش البيزنطي نحو سوريا.

قسّم المسلون بلاد الشام الى أربعة أقسام عسكرية: 1- جند دمشق الشام 2- جند حمص 3– جند الاردن 4- جند فلسطين. ولاحقا زادوا مقاطعة خامسة أسموها جند قنّسرين.
وكان "جند فلسطين" يوازي تقريبا المساحة الي أطلق عليها الرومان "فلسطين 1" التي تشمل يهودا، وفليستيا، وجنوب الاردن.
و"فلسطين 2 " التي تشمل سماريا والجليل والجولان وشمال الاردن. وكان هذا التقسيم أيضا لتسهيل الجباية الضريبية.

عندما دخل المسلمون بلاد الشام وفلسطين حافظوا على اليهود والمسيحيين فيها، الذين كانوا مضطهدين تحت الحكم الروماني. ولم يوافق الخليفة عمر على طلب بطرك كنيسة القدس أن يصلّي في كنيسة القيامة خوفا من أن يطمع المسلمون فيما بعد بهدّ الكنيسة وبناء جامع لأن عمر صلى فيها. ولكنه توجّه الى جبل المعبد الذي فيه ركام معبد سليمان بعد أن دمّره الرومان، وأمر ببناء" مسجد الاقصى" على جبل المعبد ايمانا منه بأنه المكان المذكور في القرآن والذي اليه أسرى نبي المسلمين من مكة ومنه عرج الى السماء في رحلة اعجازية استغرقت ثواني قليلة بحساب قياس وقت الانسان.
كما يوجد في نفس المكان "قبة الصخراء" التي يعتقد انها الصخرة التي صعد من فوقها محمد ليعرج الى السماء.

وفي عام 639 غزا المسلمون بقيادة عمر بن العاص مصر. ونصره هناك فئة من المسيحيين "الموحدّين" الذين يؤمنون أن المسيح ليس له سوى خصوصية واحدة وهو انه انسان مقدس نبي ورسول، وليس ربا مقدّسا. وكان هؤلاء مضطهدين من السلطات الكاثوليكية. كما نصره ايضا فلاحون مصر الذين كان أغنياء اليونان يستعبدونهم ويسخرونهم لزراعة اراضيهم.

وفي عام 642 سقطت مدينة الاسكندرية على أيدي المسلمين وهرب البيزنطيون من مصر، ووهب المسلمون المسيحيون حرية العبادة واعادوا بناء كنائسهم.
عام 646 سيطر المسلمون على كافة أنحاء القطر المصري وحوّلوا مصر الى ولاية اسلامية، ففرضوا فيها ضرائب محلية، تعود بالنفع على البلاد وسمحوا للمصريين بالسيطرة على اراضيهم الزراعية واستثمار خيراتها.

يعتبر المسلمون أنفسهم السلالة الطبيعية لابراهيم وموسى وعيسى وبقية الرسل والانبياء. ولهذا السبب تعتبر فلسطين التي هي ارض القداسات فائقة الاهمية عندهم.

وعند دخول جيش المسلمين لفلسطين استقبله اليهود والنصارى وخصوصا النصارى الموحدين، بترحاب كبير بعد ان ارهقهم ظلم القوى التي سيطرت على المنطقة لفترة طويلة من الزمن.

وحظي اليهود خصوصا بحرّية استثنائية تحت الحكم الاسلامي لم ينالوها في أي مكان من العالم. إذ منحهم المسلمون حكما ذاتيا في فلسطين، وسمحوا لهم تطبيق معتقداتهم الدينية في قوانينهم الخاصة فيما بينهم وفي مجتمعاتهم. وحصل عدد كبير من اليهود والنصارى على مراكز ووظائف مهمة في البلاد التي بقيت تحت الحكم الاسلامي على مدى حكم عديد كبير من الملوك والسلاطين المسلمين.
وأهم من كل ذلك، رفع المسلمون القيود التي وضعها الرومان والبيزنطيون على اليهود وثبّتوا لهم حقهم في زيارة القدس والسكن فيها.

سامي الشرقاوي

ولادة المسيح وتأسيس دولة فلسطين


الفصل الثالث

عندما غزى "جوشوا" منطقة "كنعان بعد موت النبي موسى، ودمرّ مدينة الخليل، واستطاع أن يقود الاسرائيليين في سلسلة من الانتصارات والسيطرة على قسم كبير من أرض "كنعان"، التي استوطنها بنو اسرائيل الى أن جاء النبي داود وأنشأ هناك مملكة اسرائيل.

يعتبر اليهود داود ملك اسرائيل والشعب اليهودي، كما أنه شخصية رائدة لدى المسيحيين والمسلمين.
ويقول المؤرخون ان مملكة اسرائيل التي كانت في شمال أرض كنعان تختلف كليا عن المملكة اليهودية التي كانت في جنوب كنعان.
كانت مملكة اسرائيل نتيجة توحّد سياسي وعسكري للفرق الاثنتي عشر التي تألفّت قبل أن يتوفّى النبي موسى، وكانت تقع على مساحة تتوافق تقريبا مع مساحة الاراضي الفلسطينية المحتلة الآن، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان الاسرائيليون يحاولون بشتى الوسائل طرد الفلسطينيين الذين هم الاهل الاصليون لتلك المناطق.

الاّ أن خلاف اليهود فيما بينهم، ومقاومة سكان المنطقة الاصليين لهم، أرغمهم على الارتضاء بمساحة مقلصّة لمملكة اسرائيل، مستقلّة عن المملكة اليهودية وعن باقي الممالك المجاورة حتى عام 720 قبل الميلاد، عندما غزى الآشوريون كنعان وحلّوا مملكة اسرائيل وطردوا اليهود منها. فبقيت المملكة اليهودية هي المملكة الوحيدة لليهود في منطقة كنعان والتي ارادها الآشوريون ان تبقى للاشراف على تجارة الزيتون التي كانت تعتبر من أهم الثروات في ذلك العصر.

بيد ان الحرب المدمرة بين المملكة الآشورية وبين كل من المملكة المصرية والبابلية الجديدة، والتي كانت من ضمن صراع عنيف للاستيلاء على الارض الفلسطينية أدّت الى تدمير المملكة اليهودية بشكل كامل لاحقا في عام 582 قبل الميلاد. وكانت مدينة "شيخيم" هي العاصمة الاولى ثم مدينة "طيرزة" التي هي الآن بلدة صغيرة بالقرب من  مدينة "نابلس" تدعى "تل الفرح".

أمّا الملك سليمان فكان ثالث ملك من ملوك المملكة الموحدّة وآخر ملوك مملكة اسرائيل قبل ان تنفصل المملكتان. وقد أعطى الانجيل أسمى درجات التقدير الى الملك سليمان لأنه أشاد المعبد الاول في مدينة القدس، ويعتبر اليهود هذا المعبد المخزن الذي يحتوي صندوق العهد الذي أقامه الله مع نبيه موسى، وجاء اسمه في القرآن "تابوت السكينة".

وصندوق العهد هو وصف توراتي لصندوق يحتوي على ألواح موسى التي نقش الله عليها الوصايا العشر لبني اسرائيل. ووفقا للمؤرخين اليهود فإن هذا الصندوق يحتوي أيضا على عصا هارون والتي يعتبرونها بأهمية عصا موسى لأنها كان فيها قوى اعجازية ساهمت بحدوث الكوارث على أهل مصر قبل ان ينزح موسى منها ومعه بني اسرائيل.
كما يزعم اليهود ان الصندوق يحتوي ايضا على جرّة فيها طعام "المنّ" الذي انزله الله على موسى وقومه اثناء قطعهم صحراء سيناء. كما اتى اقرآن على ذكر هذا النوع من الطعام مع نوع آخر من الطعام أسماهما " المن والسلوى".

وعندما احتل الآشوريون منطقة كنعان، نهضت مدينة القدس حيث ان عددا كبيرا من سكان المملكة اليهودية الشمالية لجأوا اليها وأقاموا فيها. وانتهت حقبة المعبد الاول في عام 586 قبل الميلاد، عندما هزم البابليون اليهود ودخلوا مدينة القدس ودمّروا المعبد.

وفي عام 538 قبل الميلاد أي بعد 50 عاما من سلطة بابل في المنطقة، استطاع الملك الفارسي قورش العظيم أن يسيطر على مدينة القدس ودعا اليهود الى اعادة بناء الهيكل حيث
تم بناءه سنة 516 قبل الميلاد في عهد الملك الفارسي داريوس بعد 70 عاما من تدمير الهبكل الاول.

ونهضت مدينة القدس لتحتل مكانتها كمركز للعبادة وعاصمة مملكة اليهود، ولكنها سرعان ما عادت لتكون تحت سيطرة الاسكندر المقدوني عندما هزم المملكة الفارسية، ومن بعده بطليموس الخامس الذي خسرها واستقرت بيد السلوقيين في زمن ملكهم انطيوخس.

وفي عام 63 قبل الميلاد وقعت القدس تحت حكم بومباي امبراطور الروم الذي ضم مملكة اليهود الى الامبراطورية الرومانية وعيّن الملك اليهودي هيرودس واليا تابعا لها.

وفي القرن الرابع قبل الميلاد، عيّن قيصر الروم أغسطس آرخليس ابن هيرودس حاكما على السامرا ويهودا وآدوم الى القرن السادس بعد الميلاد عندمل أخضعت روما اقليم يهودا ليكون تحت الحكم المباشر لها في ظل التعداد الضريبي الذي كان يدعى "تعداد قورينيوس"، والذي اعتمدته روما لاحصاء سكان أقليمي سوريا وليديا الفارسية بغية اخضاعهما للنظام الضريبي المباشر للامبراطورية الرومانية.

عيّنت روما "بوبليس قورينيوس" حاكما على سوريا بعد نفي هيرودس آخيليس، وفرضت حكما رومانيا مباشرا على ما سمّي بإقليم "آيوديا" الذي كان خليطا من سامراء ويهودا وآدوم.

يربط انجيل لوقا بين مولد المسيح والاحصاء الضريبي الذي اعتمدته روما، حيث ان الافراد كانوا يضطرون الى العودة الى مدنهم الاّم لتثبيت سجلاّت ميلادهم. لذلك سافرت مريم مع ابنها عيسى ويوسف النجار من الناصرة في الجليل الى بيت لحم وهي المدينة التي ولد فيها عيسى.

عندما غزا الرومان الساحل الشرقي للبحر المتوسط قبل مولد عيسى، استقرّوا على اسم "فلستينيا" وأطلقوه على كل المنطقة الجنوبية لارض كنعان بما فيها الارض المحتلة من قبل اليهود والاراضي المجاورة. وتطوّر اسم "فلستينيا" لاحقا ليصبح "باليستاين" باللغة الانجليزية و"فلسطين" باللغة العربية. وكانت فلسطين في عصر عيسى المسيح جزءا من الامبراطورية الرومانية التي كانت تسيطر على مناطق عديدة وبوسائل مختلفة.

ففي الشرق ( الشرق الادنى، سوريا، فلسطين ومصر)، كانت القطاعات تحت حكم ملوك اصدقاء وحلفاء لروما، وكان يطلق على هؤلاء " ملوك عملاء أو دمى" أو تحت حكم حكّام يدعمهم جيش روما.

وكانت مدينة انطاكيا الواقعة على ضفاف نهر العاصي الممتد من لبنان الى تركيا مرورا بسوريا، والتي بناها احد قادة اسكندر المقدوني ويدعى "سيليكوس ناكتار" توازي مدينة الاسكندرية كمدينة رئيسية في الشرق الادنى، وهي تعتبر مهد المسيحية التي ليست من أصول يهودية Gentile Christianity.

بدأت الهجرة من بلاد الرفدين وسوريا الى مدينة انطاكية بشكل متجانس حسب المؤرخ "ستاربو" في القرن الاول قبل الميلاد، بعد أن أصبحت انطاكية العاصمة الجديدة للامبراطورية البابلية.

أما الجزء الغربي من الامبراطورية الرومانية، فكان ينطوي على انواع مختلفة من الشعوب السامية، كانوا يتصارعون على السلطة التي لم تثبت لفئة معينة. وكان ملوك وحكام روما لاحقا من فروع مختلفة لهذه الشعوب السامية التي انتقلت لتقطن في الجزء الغربي للامبراطورية.

وكان العرب قد حلّوا في بلاد الرافدين في القرن الاول للميلاد، مكان سكان المنطقة الجنوبية واستملكوا ما يوازي ثلث اراضي المنطقة.

يعتبر المسيحيون "فلسطين" هي الارض المقدسة لانها شهدت مولد المسيح وحياته. كما انها مقدسة لليهود والمسلمين لاسباب مشابهة ومختلفة.
تقع "فلسطين" القديمة في مركز جغرافي وثقافي مميز في العالم، ويحيط بها حضارات عريقة ودول كان لها تأثيرها في تاريخ الامم.

وفي زمن مولد المسيح، كان اليهود يفهمون العالم: عالم يهودي وعالم غير يهودي. وقد جهدوا عبر التاريخ ليفصلوا انفسهم كليا عن العالم الغير يهودي. وربما كان هذا هو السبب الرئيس الذي حذا سكان الناصرة اليهود برفض عيسى رفضا قاطعا، عندما أعلن انه جاء ليكمل النبوءة.
وقد ورد في انجيل يوحنا 7:1-9 : يتنقل عيسى حول الجليل ولكنه يتجنب يهودا، لأن اليهود ومملكتهم يهودا كانوا يتحيّنون الفرص لقتله.

أنشأ سكّان يهودا وحدة اجتماعية مدنية سياسية، ضد عيسى وتآمروا ليجدوا طريقة للتخلص منه ومن تعاليمه. وهذا ربما لانهم كانوا يخشون ان يقضي المسيح او ملك اليهود على سلطتهم ونفوذهم.

وكان اليهود يضّطهدون المسيحيين الاوائل بسبب ايمانهم الجديد الذي نشأ أصلا من فروع الدين اليهودي وجاءت تعاليم المسيح متممة لهذا الدين.
شاركت الامبراطورية الرومانية اليهود باضهادهم للمسيحيين، ربما بسبب اعتمادهم على اليهود بتنظيم زراعة وتجارة الزيتون.
ولأن روما كانت تسيطر على معظم اراضي المنطقة التي توزع عليها المسيحيون فقد سهل كشفهم واعتقالهم. واستمر هذا الاضطهاد من القرن الاول بعد الميلاد الى القرن الرابع عندما شرّع قيصر روما قسطنطين الدين الجديد واعترف به.

وفي القرن 41 بعد الميلاد استولى آغريبا على مناطق فيليب والعنتيب، في الشرق وحصل على سلطة نائب عام يهودا، واعاد نفوذ هيرودس الذي كان متعطشا لتنصيب نفسه ملكا لليهود وبالغ في ملاحقة اتباع المسيح بغية سجنهم أو قتلهم، وقد نجا كل من بطرس وجايمس من الموت، وفر بقية الرسل من البلاد.

بدأت المسيحية بالانتشار من مدينة القدس ومن ثم الى كل الشرق الادنى وارمينيا والحبشة حتى وصلت الى عقر دار الامبراطورية الرومانية. ونمت في الاقليم الفارسي تحت تسميات مختلفة: الكنيسة الآشورية، الكنيسة الفارسية وكنيسة شرق سوريا.

وقبل ان ينتهي القرن الاول بعد الميلاد كانت المسيحية في معظم مناطق بلاد الرافدين حتى بلاد الهند.
وفي القرن الثاني وصلت الى أفغانستان وآسيا الوسطى في القرن الخامس للميلاد. ثم وصلت في القرن السابع للميلاد الى الصين بواسطة مبشرين من بلاد الفرس.