الثلاثاء، 21 يونيو 2011

نشأة العرب واليهود


الفصل الثاني

هذا الكتاب هو محاولة لمعرفة صحّة ما يحضّر اليوم في كواليس السياسة العالمية لمنطقة الشرق الاوسط، لرسم معالم جديدة قديمة للمنطقة، وتقسيمها الى أقاليم دينية وعرقية، والتي نشهد بعض اشاراتها وتطوّراتها في أكثر من دولة بدأت من فلسطين مرورا بالعراق ومصر والسودان وأفغانستان وباكستان وسوريا والاردن لتشمل لاحقا المنطقة بأسرها.
كما هي محاولة لمعرفة اسباب مخططات التقسيم، وما يتوقّع لها من نتائج، وهل ستنجح كل هذه المحاولات في المدى المنظور، ام انه سيكون هنالك مفاجئات غير محسوبة تفشل كل تلك المخطّطات.
لهذا فقد رجعت بالبحث الى النشأة التاريخية والدينية للبشر وكيف توزعت سلالتهم على الارض، وكيف انقسموا بعد ذلك الى فئات عرقية ودينية وبعد ذلك سياسية رسمت خرائط جغرافية متنوعة وأدت الى نهوض ممالك وحضارات منها ما بقي الى يومنا هذا ومنها ما اندحر وتلاشى على مدى التاريخ.
هذا عدى عن نشوء حضارات جديدة لم تكن موجودة من قبل الا انها حصلت بفعل مزيج من حضارات قديمة، تواجدت فئات منها في بقاع جغرافية معينة لتنشيء دولا حديثة قوية ومؤثرة على مجريات الامور اذا لم تكن في صلب ادارة التاريخ الجديد.

اشرت سابقا ان كنعان وذريته وفروعه، استطاعوا اختراق أرض سام. واستوطنوا شاطيء البحر المتوسط الممتد من بلاد الاناضول الى فلسطين مرورا بسوريا ولبنان.

وأصبحنا نعرف ان "عابر" جاء من سلالة عبرشيد ابن سام، الذي يعتبره اليهود بذرتهم الاولى التي منها انحدرت السلالة العبرية. ومن عابر جاء "قحطان" الذي هو ابو العرب.

أما الابن الثاني لعابر فهو "فالغ" الذي استوطن في بابل، والذي ورد في العهد القديم ان الارض انقسمت على أيامه، وقد ترجمت هذه العبارة سياسيا، انه الخلاف على المواقع والسلطة بين (الاخوة)  الذي بدأ بين "فالغ" و"قحطان" والذي ادّى الى رحيل قحطان عن بابل ليستوطن في شبه الجزيرة العربية.

من سلالة "قحطان" جاء "معاد" و"عدنان" الذي منه جاء الرسول العربي "محمد" الذي يعود بسلالته حتى يقف عند عدنان ليقول سأتوقف هنا!

ومن ذرية "فالغ" جاء "ابراهيم" الذي اصبح فيما بعد شخصية مهيمنة على الاديان الرئيسية الثلاثة: الاسلام، المسيحية واليهودية.
كان لابراهيم ولدا من السيدة سارة يدعى "اسحق" وولدا من السيدة هاجر يدعى "اسماعيل".
ومن "اسماعيل" جاءت سلالة العرب.
ونشأ "اسحق" برعاية العبرانيين وخلّف "يعقوب" الذي يعتبر ابو الاسرائيليين. كما ان أبناء سام وكنعان نهضوا بالامم والحضارات التالية:
"المملكة الايلامية" التي تأسست على الارض العربية من جنوب ايران الى جنوب العراق.
"المملكة الاكادية" من اعلى نهر  دجلة في العراق وقد انشقّت لاحقا الى قسمين: أشوريا في الشمال وبابل في الجنوب
"مملكة ليديا" وقد حكمت الاناضول بين "مانيسا" (اليونان) و"ازمير" (تركيا) ومنها نهضت "الامبراطورية الحيثية".
وحكمت ذرية "آرام" شمال بلاد ما بين النهرين وسوريا بما فيها شواطيء دجلة والفرات، جبال آشور، بابل، فارس، سوريا، وميديا.
ويعتقد المسلمون ان النبي هود العربي الذي عاش في مدين هو ايضا من سلالة آرام.
وقد لعبت الممالك والحضارات التالية دورا مميزا ساهم في تقسيم المنطقة الى اجزاء عرقية ودينية:
السومرية – الاكادية – البابلية – القيسية – الحيثية – الميدية – الفارسية – المصرية الفرعونية – الهكسوس – الاثيوبية – الليبية وغيرها.
وانقسمت ارض بلاد ما بين النهرين بين سام وحام وكنعان. بينما يعتبر اليهود انه لا يوجد أي اثر لذرية كنعان اليوم.
لماذا؟

بعدما تزوج ابراهيم من سارة رحل عن بابل قاصدا ارض كنعان واستوطن في بقعة ارض يطلق عليها التوراة اسم (شيخيم) وتعرف اليوم بنابلس في فلسطين.
وقد رحّب ملك مدينة "يبوس" (وهي القدس حاليا) بابراهيم، وسهّل له اقامة مكان لعبادة الله، وسانده "اليبوسيون" الذين هم من فروع كنعان وساعدوه على تطوير اعماله حتى غدا علما من أعلام المنطقة يطلبه القاصي والداني لتحصيل العلم والمشورة الدينية.

أما ارض كنعان فقد عرّفها الانجيل على انها " الارض الموعودة" أو " أرض المعاد" وسمّاها "أرض اسرائيل". ووفقا للعهد القديم، فإن الله قد وعد هذه الارض لابراهيم وذريته. وربما لهذا السبب فإن الاديان الثلاثة تدّعي ملكية تلك الارض.

كان لابراهيم ابن أخ يدعى "لوط" آمن به ومشى معه الى ارض كنعان واستوطن في "مملكة سادوم" وهي الان المنطقة التي تعرف بالبحر الميت.

وكانت السيدة سارة عاقرا لا تنجب، فعرضت جاريتها المصرية هاجر على زوجها ابراهيم كي ينجب منها ولدا. ولكن عندما حملت هاجر باسماعيل غضبت سارة وأمرت ابراهيم ان ينفي هاجر وابنها الى الصحراء. بعدها حملت سارة وولدت ابنها اسحق.
وقد قام ابراهيم مع ابنه اسماعيل ببناء الكعبة التي يعتبرها المسلمون الاساس الرئيس لبيت الله. ويعتبر المسلمون ان ابراهيم هو اول مسلم حسب ما ورد في القرآن، وتروي سيرهم ان اسماعيل هو الطفل الذي امر الله نبيه ابراهيم بذبحه ثم فداه بكبش.  بينما يعتبر اليهود والمسيحيون ان اسحق هو الابن الذبيح. وكان لاسحق ولدين توأم هما "العيص" و"يعقوب".

عندما اراد اسحق قبل موته ان ينقل النبوة الى ابنه "العيص"، تآمرت زوجته مع ابنها يعقوب الذي كانت تحبه وتفضّله على العيص، فخدعا اسحق وجعلاه ينقل النبوة الى يعقوب معتقدا انه العيص.
وعندما علم العيص بما جرى، غضب غضبا عظيما وهم بقتل يعقوب الذي فر وترك بيت ابيه، متوجها الى خاله في بلاد "حاران" وهي البلاد التي ولد ونشا فيها جده ابراهيم، الا انه استراح عند بقعة معينة في الطريق، فنام ورأى في نومه ان الله سامحه وسمّاه اسرائيل.
يعتبر يعقوب في العهد القديم انه ابو الاسرائيليين.
لاحقا نعرف من الكتب المقدسة ان تلك البقعة هي موقع مدينة القدس (أورشليم)
ولأن "هاجر" كانت جارية "سارة" ، يعتقد بعض اليهود والنصارى انهم ارفع درجة من المسلمين مع ان يعقوب كان له ايضا اولادا من الجواري.
وبحسب الكتب المقدّسة فإن يعقوب بعد ان استقبله خاله وسهّل له عملا يقتات منه وزوّجه من ابنتيه، خدع خاله وسرق ماشيته وما استطاع حمله من ذهب وفرّ راجعا الى ارض كنعان.

استوطن يعقوب في ارض "حبرون" (الخليل اليوم)، وكان له اثني عشر ولدا وبنتا واحدة، من اربعة زوجات، اثنتين هما بنات خاله وجارية من كل زوجة، وكان "يوسف" احب اولاده اليه مما اثار غيرة اخوته وتآمروا لقتله، ورموه في بئر خاوية ليموت فيها.

وجد بعض تجار مصر العابرين "يوسف" مرميا في البئر، فحملوه معهم الى مصر وباعوه هناك الى رجل مصري غني فتبنّاه وعامله كولد من صلبه.
برهن يوسف على كونه عالما ورجل اقتصاد ممتاز، ما جعله يعتلي منصب وزير الخزينة المصرية. بعد ذلك انضم اليه في مصر والده يعقوب وامه واخواته كلهم. وانتشر ابناء يعقوب (الاسرائيليين ) في مصر.
يقال انه كان ليعقوب ابنة اسمها دينا، اغتصبها ملك "شيخيم" ثم قتلها، فثأر لها أخواها "شمعون" و "ليفي" ودمّروا المدينة كلها. وكان موسى من سلالة "ليفي" المباشرة.

عندما نفى ابراهيم زوجته هاجر وابنه اسماعيل الى الصحراء خوفا من غضب سارة، وجدهما بعض العرب الذين عرضوا على هاجر حمايتها ورعاية اسماعيل على ان تشاركهم في المياه (زمزم) التي اكتشفتها في الصحراء.
ولم تعط الكتب السماوية وكتب التاريخ تفاصيل كثيرة لابني ابراهيم اسحق واسماعيل، غير انه من الجدير ذكره ان اليهود والمسيحيين وضعوا اسماعيل وام~ه هاجر في عداد تصنيفاتهم للأحلاف بـ "حلف سيناء" (Sinai Covenant) الذي يكوّن خمسة كتب من التوراة، أما سارة وابنها اسحق فقد جاء ذكرهما في عداد حلف البركة(Grace Covenant) الذي هو الاساس لكل الاحلاف المستقبلية التي "وضعها" الله للبشر بدأ من نوح وانتهاء بعيسى المسيح.

في الوقت الذي ولد فيه "موسى" كانت "الامبراطورية الحيثية" تشمل تركيا وسوريا وتمتد حدودها الى مصر، ولأن الفراعنة كان يخشون ان تتمدد في الاراضي المصرية، فقد كانوا في حرب دائمة معها حتى كانت معركة "قادش" الكبرى التي أعلن الفريقان انتصارهما، لكنّ الحقيقة هي انّ هذه المعركة أضعفت الدولتين، وكان لها مضاعفات سلبية عليهما.

حوالي 2250 قبل الميلاد، نشأت حروب كثيرة في بلاد المشرق بين كثير من الدول، وشاركت "المملكة الاشورية" في تلك الحروب عند نهاية تلك الحقبة واصبحت في تلك الفترة أقوى مملكة على وجه الارض. وخسرت مصر سيطرتها على سوريا ولبنان.

كانت سيناء اول محطة لموسى بعد النزوح عن مصر، غير ان الاسرائليين الذين معه رفضوا دخول "ارض الميعاد" (ارض كنعان) خوفا من العمالقة الاموريين.
بعث موسى بجواسيس الى ارض كنعان، الذين عادوا وراحوا يحذّرون من دخولها، غير ان هذه المرّة رفض الاسرائيليون طاعته وقرروا الهجوم، فكانت النتيجة انهم سحقوا على ايدي "الكنعانيين".
استطاع موسى بعد ذلك الانتصار على الاموريين، لكنه مات دون ان يتمكن من دخول ارض كنعان "ارض الميعاد".
وبين سنين 1206 و 1150 قبل الميلاد توالت الانهيارات لعدة دول منها الدولة الحيثية والمصرية والميسينية في بلاد الاغريق. وباتت الطرق التجارية تحت سيطرة قطاع الطرق. كما وأن كل المدن تقريبا بين طروادة وغزة، دمّرت وهجرت.
وبعد موت موسى، وحسب الكتب المقدّسة فقد غزا "جوشوا" بلاد كنعان ودمر مدينة "جيريكو" (الخليل) وقاد من هناك الاسرائيليين ليحقّق انتصارات عديدة على الكنعايين.
استقر الاسرائليون في أرض كنعان الى ان جاء "داود" وأنشا "مملكة اسرائيل".

مهد الحضارات بين الدين والتاريخ


الفصل الاول
 بعد اللمحة الموجزة عن ماضي منطقة ما بين النهرين، والسؤال ما اذا كان هناك ما يدل على اوجه تشابه بين زمان وحاضرنا الآن. وبعد الاستنتاج بأن هنالك محاولات حثيثة لتقسيم المنطقة الى اراضي ديموغرافية تستجلب الماضي الى الحاضر وتحضّره لمستقبل ما، لم تتضح معالمه بعد. 
يبقى السؤال؛ كيف تتم هذه المحاولات؟
قبل الاجابة سنتوقّف قليلا عند محطات مهمّة في تاريخنا المعروف (أو كما نعرفه)، ونبدأ بالمحطة الاولى عند آدم وحواء أول أجدادنا.
تتطابق القصص الدينية والتاريخية، أنهما بعد الخلق، عصيا الخالق، فحقّت عليهما عقوبة الهبوط الى الارض والمعاشرة الجنسية وانجاب الذرية التي بدأت بشقيقين توأمين قتل أحدهما الآخر ليسجّّل أول جريمة في التاريخ.
في المحطة الثانية، وهي لا تبعد كثيرا بالسنين من المحطة الاولى، نرى ادريس (أينوخ) الذي لم يكن فقط نبيا ورسولا، بل أيضا عالما ومعلما أطلق عليه الفراعنة اسم "هرمس الهرامسة" بمعنى استاذ الاساتذة، لانه هو الذي أوجد العلم والمعرفة وعلّمها لسائر البشر.
وفي رأيي المتواضع أن المذكور في القرآن عن ادريس "ورفعناه مكانا عليا"، ليس المقصود به جنة رابعة او خامسة، بل رفعة في المنصب، ورقي في التراتبية البشرية، في اشارة لما كان لهذا الرجل الفضل الرئيس لتعليم البشر كل انواع العلوم والمعرفة، التي أوصلتهم الى حضارات متقدّمة ومزدهرة، بعد ان عرفوا كيف يطوّعوا العلم ليستمرّوا في الحياة.
تصوّروا كيف سيكون حالنا اليوم اذا لم يبدأ البشر بتلقّي العلوم عند نقطة معيّنة؟
هذه النقطة المعيّنة كانت ادريس.
المحطة الثالثة هي عند نوح، الذي عاش في منطقة ما بين النهرين، واشتهر بأنه بنى السفينة التي انقذت الحيوانات وبعض البشر من الطوفان. وقد أكّدت كل الكتب والمراجع الدينية والتاريخية انه كان له على الاقل ثلاثة اولاد نجوا معه من الطوفان هم: يافث، حام وسام.
يذكر كتاب العهد القديم ان نوحاً بارك ولده سام ودعا الله ان يزيد في ذرية يافث، وأن يبقى بحماية سام، وأن يكون كنعان ابن حام خادما ابديا لهما ولذريّتهما!
يروي التلمود تفاصيل اكثر عن دعوة نوح تلك، ويستخلص ان سبب النقمة على حام وولده كنعان، ان حام شاهد والده يمارس الجنس مع زوجته، أو انه هو مارس الجنس مع زوجة ابيه نوح. في كل الاحوال، نرى ان هذه الدعوة من وجهة دينية واحدة قسّمت البشر الى أسياد وعبيد.

بعد الطوفان توجّه يافث نحو ارض الاناضول (تركيا) حيث استقرهناك ثم انتشر شمالا، ومن ذريته تناسلت الترك والقبجاق والتتر والغز أو السلاجقة والهياطلة والخلج والشركس والخزر والصقالبة والصين والأفرنج والقوط واليونان ويأجوج ومأجوج .
وانتشرت هذه الامم في بلاد شمالي ايران، ارمينيا وروسيا والشرق الادنى والاقصى. كما استمروا في الانتشار في كل الاراضي الشرقية والغربية والشمالية لاوروبا ، ومنهم من تابع جنوبا نحو فرنسا واسبانيا وايطاليا والجزر اليونانية.
يذكر التوراة سبعة اولاد ليافث، نهضت منهم الامم التالية نذكر أهمها:
جومر: ومنه الارمن، الولش، الايرلنديين، الجرمان، الترك وغيرهم.
ماغوغ: ومنه الصرب، المونغول، الفنلند، الباميريس، الباشتان وغيرهم.
مازاي ومنه الهنود، الفرس، الطاجيك، التاتار وغيرهم.
ياوان ومنه اليونان (الايونيان).
توبال: ومنه الجورجيون، الايطاليون، الايبيرانيون(الاسبان)، الباسك وغيرهم.
تيراس: ومنه البلغار، الغجر، التوتان وغيرهم.
ماشيك: ومنه القوقاز، الروس، الافرنج وغيرهم.

من حام جاءت شعوب إفريقيا في شمالها ومنهم أبناء الفراعنة المصريين و الأقباط و البربرة والامازيغ والسودان والهند والسند بباكستان والاحباش وأهل زنجبار وبقية بلاد جنوب ووسط إفريقيا، وسلالة كنعان الذين سكنوا فلسطين منذ الماضي الى هذا العصر.

والانجيل يصف مصر بأنه ارض حام. ليصبح حام هو الجد الاول للعرق الحامي Hamitic Race، وكان له اربعة اولاد ذكور منهم نشأت الامم نذكر أهمها:
كوش: وكان له مصر، اليمن، ارتيريا، الحبشة، الصومال، السعودية العربية، بابل وغيرها.
فوث: الذي توجّه الى افريقيا.
ميصرائيم: انتشر في مصر، تيبيا، فلسطين، كريت وقبرص.
وكنعان: الذي استوطن لبنان وسوريا وفلسطين (بلاد الفينيقيين)، الاناضول، الاردن.


يشير العهد الحديث ان كنعان تمرّد على ابيه حام، ورفض الرحيل معه الى افريقيا، وتوجه ليستوطن شواطيء البحر المتوسط، معتبرا نفسه شريكا (متمرّدا ربما على لعنة نوح) في ارث سام الذي استقر في تلك الاراضي التي وصفت فيما بعد بأن الله وعد بها ابراهيم وذريته؟
ومن كنعان كانت فروع أنشأت امما وحضارات لها وزنها في المنطقة ومنهم:
الحيثيون الذين استملكوا الاناضول.
الحوبيون واليبوسيون الذين استوطنوا الاراضي حول مدينة القدس قبل ان توجد.
الآموريين: عاشوا ما بين الاردن وسوريا وجزء من السعودية العربية.
الجرجان الذين أخذوا دلتا النيل في مصر.
العكاريون وعاشوا في بلاد عكار (لبنان).
السينيون الذين استوطنوا في صحراء سيناء.
الارواديون الذين استملكوا جزيرة ارواد (سوريا).
الدمّريون وهم أهل دمّر (سوريا).
والحمويون وهم أهل حماة (سوريا).

الابن الثالث هو سام وفيه النبوة ومنه العرب والآشوريون والسريان والفرس والكرد والنبط والأرمن وبنى مدين وبنى يعقوب.
من سام جاء العرب البائدة: عاد و ثمود و الأنباط و طسم و جديس و عبد ضخم و أميم و العمالقة و جرهم و قطوراء و مدين.
و العرب الباقية: العاربة و هم قحطان سكان أرض اليمن
و العرب الباقية المستعربة: و هم العدنانيين نسل إسماعيل بن إبراهيم.
و جاءت أمم أخرى مثل الفرس والبلوش في باكستان بإقليم بلوشستان، والسومريين و البابليين و الآشوريين و الفينيقيين و الآراميين و بني إسرائيل و الروم بني الأصفر و عمون و مؤاب .
ومواطن سلالة سام بن نوح – عليه السلام - هي بلاد الشام و العراق و إيران و الجزيرة العربية واليمن و عمان و بلوشستان في باكستان.
يعرف سام بأنه الجد الاول للعرق السامي Semitic Race. ويعتبره اليهود انه الاب الاول لهم لأنه والد أرفخشد الذي من نسله جاء الشعب اليهودي. وكان له خمسة اولاد ذكور منهم ولدت امم وحضارات عريقة أهمها:
عيلام: الذي استوطن كازيستان وايران.
آشور: الذي انتشر في بلاد العراق.
أرفخشد: الذي استملك العراق/بابل، تركيا، سوريا، لبنان وبعض الاردن والسعودية.
لاوذ: الذي سكن بلاد الاناضول. 
وآرام: الذي سكن في العراق وسوريا.

يعتبر معظم المؤرخين والعلماء ان اولاد سام الخمسة هم المؤسسون للحضارات الآشورية والسومرية والاكادية والكلدانية والليدية الايرانية. ويعتقد بعض العلماء ان ذرية سام هي التي انشأت الامم الاوروبية وليس يافث. والمؤرخ الاسلامي "الطبري" يؤمن بأن اليونان هم من سلالة سام.
أمّا أرفخشد الذي هو ابو اليهود فله ثلاثة ابناء ذكور هم:
كنيعان: الذي لسبب مجهول أسقط اليهود اسمه من لائحتهم الوراثية.
شالخ: ويجوز ايضا ان يكون ابن كنيعان وليس أرفخشد وكان له ولد ذكر هو عابر؛ ومنه جاء النسل العبري، وكان يعيش في بلاد بابل، غير ان الكتب اليهودية تناقلت انه رفض ان يشارك في بناء برج بابل، وكان له ولدان ذكور هما فالغ وقحطان.
أما فالغ فقد جاء في العهد القديم ان الارض انقسمت في عهده. وقد ترجم هذا الاصطلاح (الارض انقسمت) على انه الانقسام السياسي بين ابناء نوح، وبداية الصراعات بينهم، وكان ابراهيم من سلالة فالغ.
وأخيرا قحطان وقد عاش في شبه الجزيرة العربية وتولى ابناءه رعاية اسماعيل بن ابراهيم بعد ان تركه والده مع امه هاجر في ارض مكة.

وسوف نستعرض لاحقا كيفية التداخل الجغرافي السياسي العرقي الديني المذهبي، وتشابكه في بلاد منطقة ما بين النهرين وشبه الجزيرة العربية وارض كنعان والساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط، والتي كلها مجتمعة تدعى اليوم منطقة الشرق الاوسط.

يجب هنا الاشارة الى ان الحوبيين واليبوسيين الذين هم من فروع كنعان استوطنوا في فلسطين وأنشأوا فيها مدينة أسموها يبوس التي هي القدس اليوم، وقد قيل انها سقطت على يد الملك داود الذي سمّاها أورشاليم. وفي هذا الشأن يثار جدل كبير بين العرب واليهود حول تاريخ مدينة القدس الصحيح وسكانها الاصليين.

أما الآموريون الذين وصفهم الانجيل بالعمالقة، ربما هم نفسهم قوم عاد الذين ذكروا في القرآن مع مدينتهم ارم، فكانوا سكان شبه الجزيرة العربية والاردن وشمالي سوريا. وربما هم من ذكرهم القرآن في قصة موسى، عندما خاف أتباعه دخول اراضيهم وقالوا له "اذهب انت وربك فقاتلا انّا ها هنا قاعدون".

يقول الانجيل انهم هزموا على يد جوشوا، لأن الاسرائيليين أمروا بالقضاء على كل سكان ارض كنعان.
اشارة اخيرة الى ان حضارة عيلام والتي أنشأها عيلام ابن سام، من اقدم الحضارات البشرية وتشمل منطقة الاحواز والبصرة والكوت والعراق. غير انها قهرت على يدي ملك بابل حامورابي واضع قانون حامورابي قبل القانون الموسوي، والذي بقي محل خلاف بين الحضارات ربما الى يومنا هذا.

هذا السرد سيوصلنا الى ابراهيم الذي هو والد اسحق من السيدة العبرية سارة، ووالد اسماعيل من السيدة المصرية هاجر. وستكون لنا وقفة مع يعقوب بن اسحق الذي هو اسرائيل ومنه جاءت السلالة الاسرائيلية.
وسنستعرض أيضا سيرة اسماعيل الذي هو الابن الثاني لابراهيم، ومنه جاءت سلالة العرب التي منها جاء نبي الاسلام محمد بن عبد الله القرشي.
وسيكون لنا متابعة مع موسى وصراعه مع فراعنة مصر، وهجرته بالاسرائيليين من مصر الى بلاد كنعان وماذا حصل هناك بينهم وبين سكان بلاد كنعان الاصليين.
كما سنمر على سيرة السيدة مريم، ونذكر ولادة ونشأة المسيح، وانتشار المسيحية في المنطقة والمناطق المجاورة. وبروز الامبراطوريتان الرومانية والبيزنطية.
ثم نقف مع مجيء الاسلام، والفتوحات الاسلامية، وكيف تعاملت الاديان الثلاثة مع بعضها البعض من خلال تواجدها في منطقة واحدة.
وهذا سيقودنا الى الحروب الصليبية، ثم بروز الامبراطورة العثمانية، الى الحربين الاولى والثانية وما يجري حاليا على ارض الواقع.

سامي الشرقاوي

الاثنين، 20 يونيو 2011

تمهيد


تكثر في هذه الفترة الاحاديث والتكهنات حول تقسيم منطقة الشرق الاوسط الى مناطق عرقية ودينية، كما تزداد التحاليل السياسية في وسائل الاعلام المختلفة التي يدور معظمها حول مخططات موضوعة لتفتيت المنطقة واضعافها.
ونرى حديثا ما يجري في السودان حيث اصبحت هذه الدولة دولتين بانفصال الجنوب عنها، وهو منطقة مسيحية بامتياز. ونلمس من افتعال اعمال عدائية ضد اقليات مصر والعراق وتركيا وايران وحتى ما يجري ضمن اقاليم افغانستان وباكستان والهند، ان هناك نوع من التقسيم الديموغرافي جاري العمل به من قبل قوى غربية وبمساعدة أنظمة اقليمية.
وليس سرا ان هناك نارا تحت رماد العلاقات السنية الشيعية، والكردية الايرانية التركية الارمنية السريانية والى ما هنالك من طوائف ومذاهب واعراق تعج بها هذه المنطقة.
فما هو سبب ذلك، ولماذا محاولة اعادة الامور الى الوراء، وما هي الدواعي المستترة وراء مجريات الاحداث التاريخية منذ القدم وحتى يومنا هذا؟

المتعارف عليه بين علماء التاريخ والباحثين فيه، أن معظم الحضارات القديمة انبثقت من منطقة بلاد ما بين النهرين التي تشمل العراق وايران وشمالي تركيا، والبلاد الواقعة حولها امتدادا الى سواحل سوريا ولبنان وفلسطين، وصعودا الى الاردن وشبه الجزيرة العربية.
وقد أطلق الاغريق على هذه المنطقة ما يعرف باصطلاح Mesopotamia أي البلاد ما بين نهري دجلة والفرات.
كما ان هذه المنطقة والبلاد التي فيها شهدت أوائل المجتمعات البشرية التي تطوّرت الى حضارات عريقة بقي منها ما بقي الى زمننا اليوم، واندحر معظمها بعد أن خلّفت ورائها أعراقا منهم من بقي وتأقلم مع الحضارات التي بقيت، ومنهم من هاجر الى مناطق اخرى قريبة او بعيدة.
ومنها ايضا انطلقت الاديان السماوية الرئيسية، التي ساعدت على توسع منطقة ما بين النهرين لتشمل وادي النيل ومصر ووادي الهندوس في الهند والشرق الادنى امتدادا الى النهر الاصفر في وادي الصين.
وتأسست في هذه المنطقة سلالات عريقة تطورت لاحقا لتولّد شعوبا لعبت دورا بارزا في تاريخ الحضارات ومنها على سبيل المثال لا الحصر؛ السومريين والاشوريين والاكاديين والبابليين والحيثيين والفرس. وكانت اللغة السومرية من أقدم اللغات تبعتها اللغة الآكادية ثم الآرامية.
استطاعت شعوب هذه المنطقة من تطوير ادوات ومواد صناعية لتحسين حياتهم الاجتماعية كما انهم استعملوا وسائل نقل للسفر والتبادل التجاري، واخترعوا الادوات المعدنية والزجاجية وادوات صنع الاقمشة وادوات الحياكة، وبنوا السدود لحفظ المياه في الخزّانات وأنشأوا انظمة الري لتحسين الانتاج الزراعي.
استعملوا النحاس والبرونز والذهب لصنع الآتهم العسكرية.
اخترعوا النظام الرقمي وطوّروه لحساب الوقت وجعلوا اليوم 24 ساعة والساعة 60 دقيقة والدقيقية 60 ثانية، وحسبوا السنة 12 شهرا والشهر 30 يوما وأقاموا النظام الدائري على 360 درجة واستخدموه لصنع الخرائط.

قام فيها رسل وانبياء عدة بحسب الكتب المقدّسة، لترشدهم الى الخالق والاله الفعلي للكون، لانهم كانوا يعبدون آلهة عديدة حكوا عنها اساطير مجّدت أعمالها وبطولاتها والتي ما زال بعض أصدائها له وقع قوي حتى يومنا هذا.

في البدايات كانت المنطقة مقسّمة وفق الروايات التاريخية والدينية على أساس انتشار ابناء نوح بعد الفيضان، وانشاء كل فريق منهم سلالته الحضارية التي توزعت على مختلف المناطق، ونشأ عنها ومنها دولا وحضارات مختلفة، عاشت كلها في حروب مستديمة ومتواصلة ظهرت نتائجها في العصور المتقدّمة.
وما أن هيمنت الامبراطورية الاخمينية الفارسية على معظم بلاد المنطقة، حتى غزاها الاسكندر المقدوني وهزم قائدها داريوس الثاني. فبدأ بذلك الاستعمار الغربي او الاجنبي للمنطقة.
ثم تابع الاسكندر تقدّمه ليأخذ سوريا ومعظم بلاد ساحل الشرق واحتل صور بعد حصار طويل ومقاومة عنيفة، ثم توجه الى مصر حيث توالى استسلام البلاد ما عدا غزة التي قاومته مقاومة مستبسلة ولم يستطع دخولها الا بعد حصار طويل ومعارك ضارية.
أطلق على نفسه لقب "المحرّر" ونصب نفسه ملكا على الكون كله، وبنى في مصر مدينة الاسكندرية التي سمّاها على اسمه.
وعندما علم ان داريوس الثاني ملك الفرس قد استجمع قواه، توجّه الى شمال العراق ليهزمه مرة اخرى بعد معركة ضارية في موقع غواغاميلا، وسقطت بابل على يديه.
فر داريوس الثاني الى مملكة ميديا الفارسية ثم الى بارثيا حيث تبعه الاسكندر واستطاع ان يصل اليه ولكن بعد ان طعنه احد اقربائه طمعا بتنصيب نفسه ملكا.
الا ان الاسكندر استطاع ان يدركه قبل لفظ انفاسه الاخيرة، وادّعى ان داريوس همس في اذنه انه نصّبه خليفة بعده على مملكة فارس الاخمينية، فاعتبر الاسكندر نفسه بذلك الوريث الشرعي لعرش فارس بعد داريوس.
أعلن الاسكندر الحرب على قاتل داريوس وكان اسمه باسوس، الذي فر الى أفغانستان ثم طاجكستان.

ظهر تغيير مفاجيء بعد ذلك في اطباع الاسكندر وتصرفاته، وبدأ بالتحول تدريجيا من شخص مقدوني ذي تقاليد وعادات غربية، الى شخص آسيوي بطباعه وتصرفاته، وصار يغيّر الكثير من العادات والتقاليد المقدونية الغربية الى عادات وتقاليد لها جذور آسيوية وتزوّج من فتاة فارسية وعيّن من الفرس قادة وحكّاما على البلاد.
ومع الوقت بدأ الفرس والهنود يعتبرونه نبيا جاء لاصلاحهم وليس غازيا، واطلقوا عليه لقب ملك آسيا الا انه فضّل الاستئثار بلقب ملك الملوك.

هذا التحول في شخصه والتطورات في تصرفاته جعلت بعضا من قادته العسكريين يتمرّدون عليه ويرفضون المشاركة في حملاته العسكرية اللاحقة والتي كان يخطط لها لغزو ما تبقى من بلاد الهند والصين. الى ان توفي في مدينة بابل وفاة ما زالت اسبابها غامضة.

بعد موته حصلت سلسلة من الحروب الاهلية التي مزّقت الامبراطورية الاخمينية، ونتج عنها اقامة عدد من الدول حكمها قادة الاسكندر أنفسهم الذين انحدرت منهم السلالة الارساشيدية، التي انهكتها فيما بعد الحروب مع روما وبدو المناطق، الى ان طغت عليها الدولة الساسانية التي طوت مملكة باثيا تحت لوائها وأنشأت اقليم خوراسان.

وفي القرن السابع بعد ميلاد المسيح، هزم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد الامبراطورية الساسانية، وضموا أقاليم وممالك بلاد ما بين النهرين وبلاد الشرق وشبه الجزيرة العربية ليتبعوا الحكم الاسلامي وقسموا المنطقة الى اقليمين: اقليم الموصل واقليم بغداد.
ثم اصبحت بغداد في عهد العباسيين عاصمة الامبراطورية العربية الى ان غزاها هولاكو ملك المغول وامعن بالفتك بأهلها واحرق دار الحكمة وكل مكتباتها العلمية القيمة.

كانت الفتنة بين المسلمين، وحروبهم الضارية فيما بينهم، وتقسيم الخلافة بين الكوفة والشام، من الاسباب الرئيسية التي سهلّت اضعاف الامبراطورية الاسلامية وسهلّت فيما بعد غزو مناطقها من عدّة غزاة ومستعمرين.
ولمّا نشأت الدولة العثمانية وقوت شوكتها السياسية وتعاظمت قوتها العسكرية، اخذت على عاتقها زمام الامور في العراق وخاصة بغداد، فقسّمت المنطقة الى ثلاثة أقاليم: الموصل وبغداد والبصرة التي كانت تضم آنذاك منطقة الكويت.

وبعد انتهاء الحرب العالمية الاولى، كانت الجيوش البريطانية تحتل بلاد ما بين النهرين التي استمدت سلطتها من الانتداب البريطاني للمنطقة، التي عيّنت حاكما هاشميا واحدا على سوريا والعراق ثم فصلت الكويت عن العراق واعتبرتها محمية بريطانية.

شن الرئيس العراقي السابق صدام حسين حربا على الكويت وغزاها تحت عنوان اعادتها الى اقليم البصرة، الامر الذي استنفر له دول الغرب وشنوا حملة عسكرية على العراق لتحرير الكويت.
وتوالت الاحداث بعد ذلك، لتظهر حدّة الخلافات العرقية والطائفية والمذهبية، التي اضحت علّة مستزمنة ومسألة عويصة الحل ابتداء من فلسطين لتشمل كل دول الشرق الاوسط والشرق الادنى تقريبا.

هذا ملخّص تمهيدي لتاريخ منطقة مهد الحضارات، للدخول في التقسيم الديموغرافي والجيوسياسي، بعد فيضان نوح، وشرح المحاولات الحثيثة لاعادة تقسيم المنطقة، واعادة تأهيلها عرقيا وطائفيا ومذهبيا.
لماذا محاولات التقسيم هذه، وما هي أسبابها وكيف ستكون نتائجها؟
ومن وراء هذه المحاولات؟
هذا ما سنحاول القاء الضوء عليه في سلسلة حلقات هذا الكتاب
والله المستعان

سامي الشرقاوي